في محافظة درعا جنوبي سوريا، ورغم استقرار سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية منذ أكثر من خمسة أشهر عند حدود تتراوح بين عشرة آلاف وعشرة آلاف وخمسمئة ليرة للدولار الواحد، فإن هذا الاستقرار لم ينعكس إيجاباً على حياة الأهالي اليومية.
فالأسواق ما تزال تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المواد التموينية والغذائية، بل يؤكد أهالي أن معظم السلع تُسعَّر وفق سعر صرف افتراضي يصل أحياناً إلى خمسة عشر ألف ليرة للدولار، أي أعلى من السعر الفعلي في السوق، ما يزيد أعباء المعيشة ويثقل كاهل الأسر التي تعاني أصلًا من تراجع القدرة الشرائية.
ويفاقم المشكلة غياب شبه تام للرقابة التموينية، وافتقار الأسواق لآليات موحَّدة لضبط الأسعار، مما يترك المجال مفتوحاً أمام أصحاب المحال لفرض الأسعار التي يريدونها دون أي رادع أو تدخل من الجهات المختصة.
والنتيجة فوضى واضحة، إذ قد يُباع المنتج نفسه في محل بعشرة آلاف ليرة، وفي محل آخر على بُعد أمتار قليلة باثني عشر ألفاً، في مشهد يعكس حجم العشوائية التي تعيشها الأسواق.
ويطالب الأهالي بضرورة تفعيل الرقابة التموينية بشكل جاد، وتشديد العقوبات على المخالفين، ووضع آليات واضحة لتوحيد الأسعار وربطها بسعر الصرف الفعلي، مع تثبيت هذا السعر لفترات طويلة لمنع استغلال أي تقلبات، وإن كانت محدودة، إذ يرون أن استقرار سعر الصرف، إذا لم يقترن بإجراءات رقابية وتنظيمية، فلن يكون له أثر ملموس على حياتهم.
اقرأ أيضاً: الاتفاقية الزراعية الجديدة في سوريا: بين الوعود الريفية وتحديات الاكتفاء الذاتي – 963+
أسباب الارتفاع رغم ثبات الدولار
من جانبه، يوضح موسى الزرقان، وهو تاجر جملة من ريف درعا، في تصريحات لـ”963+”، أن استمرار ارتفاع الأسعار رغم ثبات سعر الصرف يعود لعدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل والشحن، وزيادة المصاريف التشغيلية للمحال التجارية، فضلًا عن الغياب شبه الكامل للرقابة التموينية.
ويضيف أن بعض التجار يتعمّدون وضع هامش ربح أكبر تحسباً لأي تقلبات محتملة في سعر الصرف أو ارتفاع مفاجئ في تكاليف الاستيراد، وهو ما ينعكس مباشرة على المستهلك.
ويبيّن الزرقان أن الفوارق بين أسعار محلات البقالة للسلع نفسها قد تصل إلى أكثر من 20%، رغم أن تكلفة الشراء من الجملة متقاربة للجميع، داعياً إلى اعتماد نظام سعر صرف رسمي وثابت، وربطه بقوائم أسعار محددة وملزمة للتجار، بحيث لا يتمكن أي منهم من تجاوزها أو التلاعب بها.
المستهلك في مواجهة فوضى التسعير
أما فوزي العمارين، وهو من ريف درعا الغربي، فقد عبّر عن استيائه من الوضع الحالي قائلاً: “إن أسعار المواد الغذائية باتت عبئاً ثقيلاً على الناس، فكل محل يبيع وفق مزاجه حتى لو كانت البضاعة نفسها. على سبيل المثال، قد يجد المستهلك السكر مرة بثمانية آلاف ليرة، ومرة أخرى بتسعة آلاف، رغم أن الدولار ثابت منذ أشهر”.
ويوضح العمارين أن المحروقات المعلن سعرها بالدولار هي تقريباً السلعة الوحيدة التي يمكن الاعتماد على استقرار أسعارها نسبياً، لكن المشكلة أن الأهالي لا يتعاملون بالدولار وإنما بالليرة، وهنا يجد التاجر فرصة لتغيير السعر كما يشاء، فيقول للمشتري: إما أن تحضر الدولار أو تقبل بالسعر الذي أحدده، وإن لم يعجبك فاشترِ من غيري. وأضاف أن هذا الأمر ينطبق أيضًا على الغاز والبنزين والمازوت.
ويطالب العمارين بإلزام التجار بسعر صرف موحّد ومعتمد رسمياً، وتثبيت الأسعار بما يحافظ على حقوق المستهلك.
اقرأ أيضاً: وفد استثماري سعودي بدمشق لتوقيع اتفاقيات بنحو 4 مليارات دولار – 963+
زيادة الرواتب… بلا أثر
وفي تصريح آخر لـ”963+”، يشير محي الدين ذياب، وهو موظف من درعا، إلى أن الإعلان عن زيادة الرواتب بنسبة 200% لم ينعكس على الواقع إطلاقاً، إذ لم تصل هذه الزيادة حتى الآن، بينما ارتفعت أسعار بعض السلع مباشرة بعد الإعلان عنها، ما جعل أثرها الإيجابي يتلاشى قبل أن يتحقق.
ويوضح ذياب أن الأسواق في سوريا عموماً، ودرعا خصوصاً، تتفاعل مع أي خبر اقتصادي بطريقة تضر المستهلك، فالأسعار ترتفع فوراً عند أي استفادة محتملة للمواطن، وإن كانت محدودة أو مؤقتة، بينما لا يحصل فعلياً على أي تحسّن في دخله.
ويؤكد أن دخله الحالي بالكاد يغطي تكاليف المواصلات وفواتير الخدمات الأساسية، ما يضطره لتأجيل معظم احتياجات أسرته أو تأمينها عبر الاستدانة، محذراً من أن أي زيادة مستقبلية في الرواتب لن يكون لها أثر حقيقي ما لم ترافقها إجراءات صارمة لضبط الأسعار وتفعيل الرقابة على سعر الصرف لمنع استغلاله من قبل التجار.
مقارنة مع لبنان
ومن جهتها، تقول إيمان محمد، وهي ربة أسرة عادت من لبنان بعد غياب 12 عامًا، لـ”963+”: “عدت من لبنان منذ نحو شهرين، وكنت أتوقع أن أجد الوضع أفضل، أو على الأقل مشابهًا لما تركته، لكنني تفاجأت كثيراً من واقع الأسعار هنا. الأسعار أغلى بكثير من لبنان، رغم أن لبنان نفسه كان يمر بأزمة اقتصادية وتهجير مستمر، إلا أن المعيشة كانت أهون وأرخص من درعا”.
وتضيف: “الوضع اختلف كليًا عمّا كان عليه عندما غادرنا سوريا. كنت أسمع عن غلاء الأسعار وصعوبة المعيشة، لكنني لم أصدق حتى رأيته بعيني. الأسعار ليست مرتفعة فحسب، بل غير مستقرة وتتغير بشكل كبير كل يوم، ما يترك الناس في حالة من القلق وعدم الاستقرار”.
وتشير إيمان إلى أنها أثناء تجوالها بين المحلات لم تجد فرقاً واضحاً في الأسعار، فكل تاجر يبيع وفق مزاجه دون أي رقابة، وهذا يضر المستهلك بشدة. وضربت مثالاً بجرّة غاز اشترتها من معتمد بـ130 ألف ليرة، ثم اكتشفت أن سعرها لدى شخص آخر في نفس المنطقة، وعلى بُعد أقل من 50 متراً، كان 123 ألفاً. وتساءلت: “أين دور التموين؟ ولماذا يُسمح بهذا التلاعب؟ وأين الجهات المسؤولة عن حماية المواطنين من الاستغلال؟”.
وتختم حديثها مناشدةً الجهات المعنية بسرعة التدخل لوضع حلول حقيقية وضبط الأسواق، قبل أن تتفاقم الأزمة ويصبح الوضع لا يُطاق، مؤكدة أن المعيشة ليست مجرد أرقام وأسعار، بل هي كرامة وحياة يومية يجب أن تحظى باهتمام أكبر.وبينما يعيش الأهالي في درعا تحت ضغط متزايد جراء غياب الرقابة التموينية، والتسعير العشوائي، واستغلال الأخبار الاقتصادية، يظل استقرار الدولار بلا أثر فعلي على حياتهم اليومية. فالمشكلة، كما يرونها، لا تكمن في قيمة العملة أو استقرارها بقدر ما تكمن في غياب نظام اقتصادي منظم يضمن ترجمة هذا الاستقرار إلى أسعار معقولة في الأسواق.
والحل، بحسب الأهالي، يكمن في تفعيل الرقابة التموينية بجدية، وتوحيد الأسعار وربطها بسعر صرف رسمي وثابت، وضمان تطبيق العقوبات على كل مخالف، حتى لا تتحول أي زيادة في الدخل أو أي استقرار في العملة إلى فرصة جديدة لزيادة الغلاء بدلًا من أن تكون وسيلة لتخفيف الأعباء عن كاهل السكان.










