بين إرث النظام المخلوع وتحديات المرحلة الانتقالية مازال جهاز القضاء في سوريا يمر بمرحلة بالغة الحساسية والصعوبة بعد عدة أشهر على انهيار نظام الأسد. فالنظام القضائي في أي بلد يشكل الضمان الرئيسي للمسار السياسي والانتقال الديموقراطي وخطوة نحو إقامة مشروع وطني لإعادة بناء مؤسسات الدولة التي تحولت في سوريا خلال العقود الماضية إلى أداة بيد السلطة الحاكمة وهيمنة الأجهزة الأمنية.
وأكدت الأحداث والتطورات التي وقعت في سوريا خلال الأشهر الماضية على أهمية وضرورة إيجاد نظام قضائي مستقل ونزيه يحافظ على سيادة القانون ويحمي حقوق الموطنين بعيداً عن عمليات الضغط والتضييق التي كانت تمارس على هذا الجهاز سابقاً مما يؤثر على أدائه بشكل سلبي ويغذي عمليات الفساد المتفشي إلى حد كبير في هذا الجهاز الحيوي.
اقرأ أيضاً: من الساحل إلى السويداء.. هل دمشق جادة في محاسبة الجناة وتحقيق العدالة؟ – 963+
ويقول المحامي مالك المحمد لـ “963+”، إن “عملية إصلاح القضاء في سوريا تحتاج إلى جهود كبيرة من قبل الحكومة وفترة زمنية قد تمتد لسنوات عدة خاصة أن هذا الجهاز كان مغيباً ومعطلاً في فترة النظام المخلوع وكافة القرارات الصادرة عنه تتدخل بها الأجهزة الأمنية ناهيك عن قضايا الفساد والتي يعلم عنها كافة السوريين”.
ويضيف المحمد، من “الضروري خلال المرحلة الحالية أن يكون للسلطة القضائية صلاحيات واسعة وأن لاتكون خاضعة فعلياً للسلطة التنفيذية كما كان الحال في عهد النظام المخلوع إلى جانب رفد هذا الجهاز بالكوادر المناسبة وذوي الخبرة مع عزل الفاسدين ومنح نقابة المحامين ومنظمات المجتمع المدني دوراً في مراقبة أداء القضاء مع توفير رواتب عادلة للقضاة لضمان استقلاليتهم، وتقليل احتمالية وقوعهم في الفساد بسبب الضغوط المادية، ومنحهم امتيازات قانونية”.
وفي كانون الثاني / يناير الفائت، أعلنت وزارة العدل السورية عن عزل جميع القضاة الذين عملوا خارج ملاك الوزارة، وكانوا مندوبين لشغل مناصب في “حزب البعث” ومجلس الشعب.
وكان ترتيب سوريا على مؤشر الفساد العالمي في عام 2010 بالمرتبة 124 من أصل 180 دولة، لكن سرعان ما تفاقمت الظاهرة بعد عام 2011 حيث انتشرت المحسوبيات والرشاوى وتضليل المعلومات وفقًا لتحليل صادر عن مركز الحوار السوري عام2024. وأشارت المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى أن الفساد يؤثر بشكل مباشر على حقوق الإنسان كونه يعوق توفير الخدمات الأساسية ويقوض شرعية المؤسسات ما يؤدي إلى تفكيك ثقة المجتمع بالدولة وقدرتها على تحقيق العدالة والتنمية.
بدوره، يؤكد الناشط الحقوقي فضل عباس أن “السوريون بحاجة اليوم إلى إصلاح شامل لكافة مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القضاء وأن يقوم هذا الإصلاح على خطة مدروسة تضمن استمرارية عمل هذا الجهاز وفي الوقت نفسه تسيير أمور المواطنين مع تفعيل سلطة القانون عبر القضاء لا عن طريق الفوضى”.
ويقترح عباس في تصريحات لـ “963+” إنشاء هيئة رقابية مستقلة مهمتها إجراء تقييم للقضاة الحاليين خاصة ولكافة العاملين في السلك القضائي بشكل عام بالإضافة إلى مراجعة مدى نجاعة القوانين المستخدمة سابقاً وإمكانية تحديثها بما يتلائم مع الوضع الحالي الذي اعتبره بالغ الحساسية فالفترة الراهنة تحتاج إلى سريان حكم القانون على الجميع وضبط كافة الأعمال والانتهاكات من أي مؤسسة أو فرد لضمان السلم الأهلي بالدرجة الأولى وفرض حكم القانون فقط”.
اقرأ أيضاً: لجنة التحقيق بأحداث الساحل: مقتل 1426 شخصاً ونحو 300 يشتبه تورطهم بالانتهاكات – 963+
ويُعد جهاز القضاء في أي دولة ركيزة أساسية لضمان سيادة القانون وتحقيق العدالة، إلا أن تجربة القضاء في سوريا تحت نظام الأسد السابق شهدت تحكمًا شديدًا من قبل السلطة التنفيذية، مما قيد استقلاليته وأضعف من دوره الحيوي في حماية حقوق المواطنين.
وخلال عقود حكم النظام المخلوع، كان القضاء في سوريا في الغالب تابعًا للسلطة التنفيذية، حيث فرضت الأجهزة الأمنية والسلطات السياسية تأثيرها المباشر على قرارات المحاكم. وقد تجلى هذا التداخل في العديد من الحالات التي شهدت تدخلًا مباشراً من الأجهزة الأمنية في سير العدالة، لا سيما في القضايا ذات الطابع السياسي، حيث تم استخدام القضاء كأداة لقمع المعارضين وإسكات الأصوات المنتقدة.
وأسفر هذا الوضع عن فقدان مصداقية الجهاز القضائي في أوساط السوريين، الذين رأوا أن القضاء لا يمارس مهامه بحيادية، بل يخضع للضغوط السياسية والمصالح الحزبية. هذا التداخل العميق بين السلطة القضائية والتنفيذية أدى إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة، حيث باتت تحكمهم قرارات غير عادلة وأحكام متحيزة، ما أضعف مكانة القضاء كمؤسسة وطنية حامية للحقوق والقانون.
ويأتي هذا الإرث القضائي في سوريا كعقبة كبيرة أمام المرحلة الانتقالية الحالية التي تسعى إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، حيث تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح القضاء وتحريره من هيمنة الأجهزة السياسية والأمنية، لضمان استقلاله ونزاهته بما يضمن حماية حقوق المواطنين وتعزيز سيادة القانون.










