منذ أن أعلن أحمد الشرع تولّيه رئاسة المرحلة الانتقالية في سوريا مطلع عام 2025، لم تهدأ الأسئلة.
أسئلة قد تبدو تقنية أو دستورية في ظاهرها، لكنها تمسّ جوهر ما تبقّى من إحساس السوريين بفكرة الدولة: هل ثمّة أمل حقيقي في بناء منظومة قانون مدني حديثة؟
فحيرتهم اليوم ليست فقط حول مستقبل بلادهم السياسي، بل حول الإطار القانوني الذي سيحكم حياتهم اليومية وعلاقاتهم المدنية والتجارية.
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه، كما يعرف السوريون جيدًا، معقّد كحال سوريا نفسها الآن. فعلى امتداد عقود، لم يكن القانون في سوريا مظلّة جامعة، بل غالبًا ما كان أداة ضبط وتحكّم بيد السلطة ومن والاها، يُطبَّق على البسطاء ولا يخدمهم، فكَثُر من كانوا فوق القانون.
سوريا تحمل إرثاً قانونياً معقّداً، تشكّل عبر عقود من التداخل بين القوانين العثمانية والفرنسية والشريعة الإسلامية، وصِيغ لاحقًا على مقاس الأنظمة المتعاقبة، لا على مقاس المجتمع.
هذا المزيج القانوني، وإن كان يعكس التنوع التاريخي للبلاد، إلا أنه خلق حالة من عدم الوضوح والتناقض في كثير من الأحيان.
القانون المدني السوري، الذي استند في جوهره إلى النموذج الفرنسي، واجه تحديات جمّة في التطبيق، خاصة في ظل نظام سياسي استبدادي لم يؤمن بسيادة القانون.
والمفارقة أن القانون كان موجوداً دائماً… لكنه لم يكن حاضراً أبداً في حياة الناس كضامن لحقوقهم أو كأداة لتحقيق المساواة في المسؤوليات.
إن السؤال الأساسي اليوم هو: هل يمكن لحكومة الشرع، التي تحمل خلفية إسلامية واضحة، أن تبني نظاماً قانونياً مدنياً حقيقياً يحترم مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون؟ وهل تمتلك حكومته – المؤقتة بالاسم – القدرة والرغبة في كسر الحلقة التي ظلّت تربط القانون بالسلطة لا بالمجتمع؟
ليس سرّاً أن أي مشروع قانوني جاد يبدأ من الاعتراف بتنوّع المجتمع وتناقضاته، لا بمحاولة توحيده قسراً خلف سردية واحدة.
وفي بلد كُسرت فيه البُنى المجتمعية، وأُضعفت فيه مؤسسات العدالة، وتراكمت فيه الجراح الطائفية والسياسية، لن يكون بناء قانون مدني محايد مجرد عملية تشريعية، بل هو خيار سياسي عميق، لا يُخاض بالخُطب التطمينية، ولا بالنوايا، ولا بخيارات ملتبسة تُخفي أكثر مما تُفصح.
التحدي الأول الذي يواجه الشرع اليوم لا يقتصر على كتابة قانون جديد أو تعديل بعض المواد، بل في فكّ الاشتباك بين الدين والدولة، بين المرجعية الفكرية والمنظومة القانونية.
ذلك أن الخلفيات العقائدية، وإن لم تُعلَن، تظلّ تتسرّب إلى تفاصيل القوانين، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية والحقوق الفردية.
والسؤال الذي يهم السوريين ليس فقط: “ماذا سيُكتب؟” بل: “من سيكتبه؟ ولمصلحة من؟ وعلى أي أساس فكري أو ثقافي؟” هل يمكن لحكومة تستند بعض رموزها إلى مرجعية إسلامية متشددة صراحةً، أن تكتب قانونًا مدنيًا يضمن حقوق المرأة والأقليات؟ وهل سيُصاغ القانون بلغة مدنية حقًا، أم بلغة مدنية مشروطة؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل من تجارب المنطقة، ومن ذاكرة السوريين أنفسهم، الذين عرفوا جيداً كيف يمكن أن تتحوّل النوايا الطيبة إلى أنظمة ضاغطة، عندما تُبنى على “الحق وحده” بدلاً من التوافق.
التحدي الثاني هو التحدي المؤسسي، فلا دولة قانون بلا قضاء مستقل، ولا عدالة بلا منظومة محاسبة فعّالة.
لكن، ما الذي نملكه اليوم في سوريا؟
جهاز قضائي منهك، كوادر شبه غائبة، اعتماد على خريجي دورات شرعية – هذا ما نراه على الأقل – ثقافة قانونية ضعيفة، رغم وجود العديد من القضاة المنشقين عن النظام، ممن يتمتعون بالخبرة والنزاهة، إلا أنهم مستبعدون عن المشهد. ومجتمع لا يزال يتلمّس طريقه نحو الثقة بالمؤسسات.
الشرع، في خطاباته، أشار مرارًا إلى نواياه في إعادة بناء هذه المؤسسات، لكن المشكلة لم تكن يومًا في الوعود، بل في القدرة على ترجمتها ضمن بيئة سياسية حقيقية تضمن استقلال القضاء، لا استخدامه كأداة.
ثمّة فرصة؟ نعم، لا يمكن إنكارها… تعب السوريون من الشعارات، ويطالبون اليوم بما هو أبسط وأعمق: يطالبون بقانون لا يُفرّق، وقاضٍ لا يتبع، ومواطن لا يخاف من مؤسسات الدولة.
وقد تكون المرحلة الحالية فرصة لإعادة ترميم هذا العقد المكسور، شرط أن تُخاض بجرأة لا بمواربة.
ولعلّ أحد الاختبارات الصامتة التي تواجه الشرع اليوم هو: كيف سيتعامل مع قضايا مثل قانون الأحوال الشخصية، أو حقوق المرأة، أو المواطنة الكاملة للأقليات؟
هل ستكون هناك جرأة لتجاوز الإرث الديني والاجتماعي التقليدي، أم ستُخاض المعركة بلغة التلفيق والتأجيل، والغالب على المغلوب؟
الزمن وحده سيُجيب، لكن المؤشرات الأولى لا تدعو إلى ارتياح كامل؛ فكلما طُرح ملف حساس، كانت الإجابات فضفاضة، والتفاصيل غائبة، وكأن النية تتجه نحو التسويف أكثر من المواجهة.
قد يرى البعض أننا علينا أن ننتظر، أن نمنح الرجل فرصة، وألا نستبق الأحداث. لكن السوريين باتوا أكثر تعبًا، وأقلّ صبرًا، بعد أربعة عشر عامًا من الحلم بالدولة، وهم اليوم يعرفون، بخبرتهم المريرة، أن القانون لا يُقاس بما يُعلَن، بل بما يُسنّ ويُطبّق، لا بما يُقال في المؤتمرات، بل بما يشعر به المواطن في المحكمة، ومركز الشرطة، ودائرة الأحوال الشخصية.
وفي الختام، لا يطالب السوريون بالكثير. هم فقط يريدون قانونًا لا يتغيّر كلما تغيّر اسم الحاكم، وعدالة لا تُوزَّع بالولاءات، ومواطنة لا تُمنَح على الهوية. يريدون وطنًا يطمئنّون فيه على مستقبل أبنائهم، وطنًا لن يُجبِرهم على الرحيل مرةً أخرى. فهل هذا كثير؟










