يعيش السوريون في لبنان حالة من الصراع والخوف. يتصاعد ملفهم وتهديد وجودهم مع كل أزمة ديبلوماسية بين الأطراف اللبنانية ذاتها وحتى مع دولتهم أو دول الجوار. وبينما تضغط الحكومة اللبنانية على “حزب الله”، يتخوف السوريون من أعمال انتقامية تطالهم بعد تصاعد حملات الترحيل التي تستهدفهم.
وبات اللاجئون السوريون في لبنان يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد، حيث تشهد الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الانتهاكات بحقهم، وفق ما رصدته منظمات حقوقية محلية. مركز “وصول لحقوق الإنسان” (ACHR) كشف في بيان حديث عن تزايد حالات الترحيل القسري والاعتقالات الجماعية والإخلاءات القسرية والمداهمات التي تستهدف مجتمعات اللاجئين، مما يخلق بيئة غير قابلة للحياة لهذه الفئة الهشة.
ويرى محمد حسن، المدير التنفيذي للمركز، أن “بعض الأطراف السياسية اللبنانية تستغل ملف اللاجئين كورقة في الصراعات الداخلية، إما للمزايدة السياسية أو لتحويل الأنظار عن إخفاقاتها في إدارة الأزمات المحلية”.
وتكشف التحليلات أن الحكومة اللبنانية تنتهج سياسة متشددة تجاه اللاجئين السوريين في ظل غياب رد فعل دولي حازم، فـ”غياب المحاسبة الدولية منح السلطات اللبنانية غطاءً للاستمرار في هذا النهج التصعيدي”.
في الجانب الأمني، يشكك الخبراء في مزاعم الحكومة اللبنانية حول تحسن الأوضاع في سوريا وجاهزيتها لاستيعاب العائدين. وعلى الصعيد السياسي، يرى مراقبون أن تصاعد الانتهاكات ضد السوريين في لبنان يرتبط بتوتر العلاقات بين البلدين.
وفي هذا السياق، أطلقت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برنامج “العودة الطوعية المنظمة ذاتياً” الذي يقدم منحة 100 دولار لكل عائد. لكن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول مدى طوعية هذه العودة في ظل الضغوط المتزايدة على اللاجئين. إحصاءات الأمم المتحدة تشير إلى عودة أكثر من 120 ألف لاجئ سوري من لبنان دون دعم دولي، مع توقعات بعودة 200 ألف آخرين خلال الأشهر المقبلة.
وتبرر الأمم المتحدة هذا التوجه بارتفاع نسبة الراغبين بالعودة من 1% إلى 24% خلال عام واحد، مع وضع هدف طموح يصل إلى 400 ألف عائد بنهاية 2025. لكن المنظمات الحقوقية تحذر من أن هذه الأرقام قد لا تعكس بالضرورة رغبة حقيقية في العودة، بقدر ما تعكس اليأس من تحسن الأوضاع في لبنان والخوف من تصاعد الانتهاكات.
اقرأ أيضاً: السوريون في لبنان.. لا حق اللجوء يشفع ولا “حضن الوطن” يتسع
ويعيش أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان، بينهم 750 ألفاً مسجلون رسمياً لدى الأمم المتحدة. هؤلاء يواجهون الآن خيارين مرّين: البقاء في لبنان تحت وطأة التمييز والانتهاكات، أو العودة إلى سوريا حيث تنتظرهم ظروف معيشية وأمنية بالغة الصعوبة. في ظل هذا المشهد القاتم، تبرز الحاجة الملحة لتدخل دولي عاجل لضمان حماية حقوق اللاجئين ووقف استغلالهم في الصراعات السياسية.
وتشير الدكتورة زينة منصور، الأكاديمية والباحثة في الاقتصاد السياسي المقيمة في بيروت، إلى أن اللاجئين السوريين في لبنان يواجهون تحديات متعددة الأبعاد.
وتوضح منصور لـ”963+” أن “هذه التحديات تشمل الجوانب الاقتصادية والأمنية والقانونية والسياسية والاجتماعية والتربوية والصحية”، معتبرةً أن هناك حاجة ملحة لإيجاد حلول عاجلة لتوفير العودة الآمنة وتأمين الحماية والمساعدة لهؤلاء اللاجئين في بلدهم سوريا.
وترى أنه من الضروري تنظيم عودة عاجلة للاجئين بعد رفع العقوبات عن سوريا وتوفير الدعم الدولي لبرنامج عودتهم. وتؤكد على أهمية إجراء اتفاق بين البلدين لتنظيم هذه العودة، مشيرة إلى أن ذلك سيساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن لبنان، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ ست سنوات.
في السياق ذاته، تحذر منصور من خطورة قلاقل إجتماعية، داعية إلى وضع آلية سريعة للعودة تجنباً لوقوع اللبنانيين واللاجئين ضحايا للإضطرابات الأمنية والسياسية في لبنان. وتشدد على ضرورة التعاون والتنسيق بين الدولتين لوضع خطة عاجلة ومنظمة للعودة.
من جهة أخرى، يلاحظ أن الخلافات السياسية الداخلية في لبنان، خاصة بين الثنائي الشيعي وأطراف أخرى داخل الحكومة ومجلس النواب، تنعكس سلباً على أوضاع اللاجئين السوريين. ويتجلى هذا التأثير، بحسب مراقبين، في تصاعد الخطاب السياسي والاجتماعي المعادي للنزوح السوري، مع تزايد المطالبات بالعودة الطوعية السريعة أو حتى الترحيل خشية تفجر الأوضاع وحدوث مواجهات بين الأهالي والنازحين.
وتعتبر بعض الجهات السياسية، ومنها الثنائي الشيعي، أن الوجود الكثيف للسوريين يشكل خللاً ديموغرافياً قد يؤدي إلى تغييرات في التركيبة السكانية. كما توجد مخاوف من أن بعض المجموعات من النازحين قد تكون مرتبطة بجهات معادية أو جهادية تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار في لبنان.
واقع النازحين السوريين في لبنان: معاناة مستمرة
من جانبه، يقدم الكاتب والصحفي السوري طارق علي من دمشق تحليلاً مفصلاً لـ”963+”، عن واقع النازحين السوريين في لبنان. ويشير إلى أن أعداد السوريين في لبنان بلغت ذروتها مع وصول ما يقارب المليوني نازح، مع الإشارة إلى أن السلطات اللبنانية ترفض تسميتهم “لاجئين” لما يترتب على ذلك من التزامات قانونية.
ويوضح أن “موجات النزوح لم تقتصر على فترة الثورة السورية، بل استمرت بعدها، خاصة مع تدهور الأوضاع الأمنية”. ويذكر على سبيل المثال أن شهر مارس شهد وصول 21 ألف نازح سوري إلى لبنان، معظمهم من الطائفة العلوية، ليرتفع العدد إلى 30 ألفاً بحلول منتصف أبريل.
اقرأ أيضاً: سوريون ولبنانيون: الحرب تنهي اللجوء… وعودة طوعية إلى الضياع
ويصف الظروف القاسية التي واجهها هؤلاء النازحون خلال رحلتهم، حيث اضطروا إلى عبور الأحراش والبساتين والجرود والأنهار تحت ظروف مناخية صعبة. ويشير إلى أن معظم هؤلاء النازحين هم من المدنيين غير المتورطين في النزاع، الذين فروا خوفاً من أعمال الثأر والانتقام.
ويعيش هؤلاء النازحون، بحسب علي، في ظروف معيشية صعبة للغاية، حيث يعتمد الكثيرون على الإقامات المنتهية الصلاحية أو على التهريب. ويوضح أن الغالبية لا تحصل على أي مساعدات تذكر، سواء محلية أو دولية، مع وجود العشرات منهم مكدسين في المدارس والمساجد ودور الإيواء في مختلف المناطق اللبنانية.
التعاطف المجتمعي والوضع الأمني
يلاحظ علي أن خطاب الكراهية ضد النازحين السوريين في لبنان قد تراجع نسبياً مقارنة بالسابق، ويعزو ذلك إلى عاملين رئيسيين: قلة أعداد النازحين الجدد، والتعاطف المجتمعي معهم. ومع ذلك، يشير إلى وجود تباين في المواقف بين مختلف الأطراف اللبنانية، حيث يقدم بعضها الدعم الكامل للنازحين، بينما ترفضها أطراف أخرى لأسباب أمنية وديموغرافية وسياسية.
ويؤكد أن مستوى خطاب الكراهية في لبنان يبقى أقل بكثير مما هو عليه في الداخل السوري، مشيراً إلى أن النازحين ما زالوا يعيشون في ظروف مقبولة نسبياً رغم كل الصعوبات.
اقرأ أيضاً: النازحون واللاجئون السوريون.. ضحايا مزمنون
وفيما يتعلق بالخلافات السياسية الداخلية في لبنان، يعتقد علي أن الخلاف بين الحكومة اللبنانية والثنائي الشيعي حول تسليم السلاح لن ينعكس بشكل مباشر على أوضاع النازحين السوريين. ويستند في ذلك إلى أن هذا الخلاف لم يؤثر سلباً على النازحين في المراحل السابقة، بما في ذلك فترة مشاركة حزب الله في الحرب السورية.
ويشير إلى أن “حزب الله” لم يتبنَّ بشكل رسمي قضية هؤلاء النازحين أو يسهل دخولهم إلى لبنان، باستثناء بعض الحالات الخاصة التي تهمه مباشرة. كما يلاحظ أن الحزب لم يتدخل في قضايا تسوية أوضاع إقامتهم القانونية، مكتفياً بتوجيه حاضنته بضرورة “المعاملة الحسنة” لهم.
ويخلص علي إلى أن مصير السوريين في لبنان لن يتأثر بهذه الخلافات السياسية، حيث أنهم ليسوا تحت حماية مباشرة من الثنائي الشيعي، بل يعيشون في إطار ميثاق العيش المشترك بعيداً عن صراعات النفوذ. ويؤكد أن معظم هؤلاء النازحين لم يتورطوا في أي أعمال معادية خلال الحرب السورية، مما يجعل وضعهم مختلفاً عن فئات أخرى من اللاجئين.










