عشق السوريون الفنان والموسيقار اللبناني الراحل زياد الرحباني بقدر عشقهم وتقديرهم لوالدته “فيروز”. كان زياد المثال الأعلى للشباب العربي التوّاق إلى الثورة والحرية والعدالة، فصيته وصل إلى مصر والمغرب العربي، لكن جمهوره الأكبر كان بين لبنان وسوريا، في وقت كانت فيه الدولتان تعانيان من حقبة سياسية مخيفة تحت ظل “آل الأسد”.
يقول الصحفي الفني اللبناني محمود زيباوي، وهو من المقرّبين من آل الرحباني، لـ”963+”، إن معلومات تداولت في منتصف السبعينيات داخل الوسط الفني، بقيت شبه سرّية أو لم يتناولها الإعلام كثيراً، تفيد بأنه، على خلفية تقديم زياد لبرنامج “بعدنا طيبين، قول الله” عام 1976 عبر أثير إذاعة “صوت الشعب” اليسارية، والذي احتوى على اسكتشات كوميدية غنائية تسخر من الجيش السوري ومن حافظ الأسد بطريقة مبطّنة اشتهر بها زياد، أدى ذلك إلى اعتقاله.
الاسكتش الذي أثار حساسية نظام البعث كان عن شخصين يلعبان الشطرنج، لكن شخصاً ثالثاً يراقب اللعبة ويقدّم نصائحه العلنية لكليهما، فينتفضان ضده، ويرفضان حجّته بأنه يساعدهما لأنه شقيقهما.
كان المقصود في الرسالة المبطّنة ما فعله “البعث” وجيشه من قمع للبنانيين من مختلف الأطراف، بحجة أنهم يحمون الجميع من الجميع.
يقول زيباوي: “قيل إن زياد الرحباني قد سُجن على يد المخابرات السورية بسبب هذا الكاسيت، وسرت هذه الحكاية في أوساط المعارضين السوريين، وقد تدخّل حافظ الأسد شخصيًا بعد أن زارته فيروز طالبةً منه التدخّل”.
أصالة نصري ترثيه رغم الخلاف السياسي
سرد هذه القصة يرتبط بمحتوى التقرير حول الانقسام الكبير الذي وقع بعد اندلاع الثورة عام 2011 داخل المجتمع السوري، المنقسم بين من استمر يعشق زياد الثائر وموسيقاه وفنه، وبين من كان يحبه لكن خابت آماله فيه، كونه لم يقف مع ثورتهم، بل كان موقفه حاسمًا لصالح حزب الله وبشار الأسد.
من هنا بدأ جمهور زياد العربي يتراجع نوعاً ما، لأن آمالهم خابت بالشخص الذي غنّى لسنوات طويلة للحرية والثوار والعدالة. لكن الوضع يبدو مختلفًا عند الفنانين السوريين، سواء المعارضين سابقاً (خلال حقبة بشار الأسد) أو المؤيدين للنظام، باعتبار أن زياد فنان عبقري، بغض النظر عن توجهاته.
وتأتي على رأس القائمة الفنانة أصالة نصري، التي كتبت على صفحتها في موقع “إكس” تعزية إلى فيروز ولبنان، وعبّرت عن حزنها لفقدان فنان كبير ساهم في تطوير الموسيقى العربية وإنشاء مدرسة خاصة به.
رسالة إلى زياد
في هذا السياق، تحدّث الممثل السوري وائل شرف، الذي عاش لفترة طويلة في بريطانيا بسبب الأوضاع الأمنية في بلده، يقول لـ”963+”: “زياد الرحباني جاء بما أتى به الأنبياء، ثورة حقيقية ضد الظلم. من سنن الحياة الأكثر قهرًا أن يدفن الابن أباه، وهذا حق لأن الموت حق، ولكن ما يقهر أكثر هو أن يدفن الأب أو الأم ابنهما، فهذا خارج عن طبيعة سير الأمور. وبغض النظر عن آراء زياد، فهو فنان كبير وخسارة للسوريين كما اللبنانيين والعرب”.
وتشتهر الممثلة السورية عهد ديب داخل الوسط الفني، وحتى على صفحاتها الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، بعشقها الكبير وتأثرها بالفنان الراحل. وكل من يعرفها في الوسط يدرك تمامًا هذا التأثر، إذ كثيراً ما استشهدت بأقواله أو أعماله ونشرتها على صفحتها.
تقول لـ”963+”: “زياد كان أكبر من أي انقسام حول آرائه، لأنه كان فيلسوفًا لا فنانًا عاديًا، جمع الكلمة والحكمة والموسيقى والفكر في شخص واحد. لذا، حتى من لا يتفق معه سياسيًا لا بد أن يحترم أعماله ومشواره. هذا الإنسان طوّر الموسيقى، وفي المسرح أو برامجه النقدية كانت له عين ثاقبة تنظر إلى المستقبل، وكل ما قاله تحقق. الفنان الحقيقي هو من يمكنه أن يقدّر عمق زياد الفكري”.
أما الممثل السوري المعارض لحكم آل الأسد، نوار بلبل، فكان له رأي مغاير لما عبّر عنه فنانون سوريون معارضون آخرون، مثل واحة الراهب وجمال سليمان وغيرهم، الذين نعوه وأشاروا إلى فنه وأهميته الكبيرة.
وفي حديثه مع “963+”، يؤكد بلبل أن الموسيقار الراحل خيّب آمال السوريين الثائرين، لأنه كان من أوائل الفنانين الذين غنوا للثوار والفقراء والمهمشين، لكنه في ملف الثورة السورية لم يكن كذلك، ووقف إلى جانب (ما وصفه) النظام السوري السابق المجرم، ومعه حسن نصرالله وحزبه.
ويضيف: “هو فنان كبير لا ننكر تاريخه الحافل، مثله مثل دريد لحام ومارسيل خليفة، لكن جميع هؤلاء خيّبوا ظننا بهم، للأسف. ربما فعلوا ذلك حفاظاً على شعبيتهم أو مصالحهم الشخصية. كان من الممكن لزياد أو هؤلاء أن لا يقفوا مع الثورة، نفهم ذلك. لكن كان يمكنهم الوقوف على الحياد، لا التطبيل للظالم”.
ويختم قائلاً: “نحن نفرّق بين حبنا للفنان وتقديرنا له، ونميّز بين حبنا لفيروز وتقديرنا لها، وبين آراء ابنها الراحل. فحب السوريين للفنانة العملاقة لم يتراجع يوماً، بكل أطيافهم وفئاتهم، لكن العتب كان على صمت زياد الرحباني خلال تلك الثورة رحمه الله”.










