مثّل سقوط النظم السياسية في الشرق الأوسط خلال العقد الفائت مساراً لافتاً ومنعطفاً خطيراً لتمدد التنظيمات “الإرهابية”، خاصة في الجغرافيا التي تميزت بهشاشة أمنية وبأنظمة ناشئة لم تبلغ بعدُ درجة الاستقرار الكفيلة بمنع تمدد تلك التنظيمات.
وفي هذا السياق، برز نشاط “داعش” في سوريا منذ دخوله البلاد عام 2013، كأحد أخطر التحولات الأمنية في المنطقة. وقد شكّل ذلك لحظة مفصلية في توسع التنظيم وارتفاع منسوب مخاطره الاستراتيجية. جاءت لحظة سقوط نظام بشار الأسد في نهاية العام الفائت دون أن تفتح الباب أمام تقويض نفوذ التنظيم، وكشفت التطورات الميدانية أن تنظيم داعش واصل نشاطه ونفّذ عديد العمليات خلال الشهور الأخيرة.
أما في العراق، فالصورة لا تختلف كثيراً؛ إذ ما زال “داعش” يمثّل التحدي الأبرز للبلدين المتجاورين، حيث شكّلت أراضيهما مسرحاً مركزياً للحرب ضد التنظيم، وجرى تنفيذ ضربات قاسية استهدفت مناطق نفوذه وخطوط إمداده وتموضعه، في معركة مستمرة لم تُحسم بعد.
ويبدو من الأهمية بمكان، ومع الإقرار باستمرار تصاعد هذا التهديد، أن تُبلور وتُصاغ مقاربة تستهدف توحيد الجهود بين سوريا والعراق في مواجهة خطر تنظيم “داعش”، باعتباره خطراً مشتركاً وهدفاً استراتيجياً للبلدين بصورة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتنسيق الوثيق، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمل على تنفيذ عمليات مشتركة، يمكن أن يشكل جداراً صلباً وحاسماً في مواجهة أي محاولات “داعشية” لتنفيذ عمليات أكثر عمقاً داخل الأراضي السورية أو العراقية، والسعي إلى توسيع دوائر نفوذه.
إلى ذلك، قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الثلاثاء الماضي، إن بلاده تنسق مع الحكومة السورية لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة وفي مقدمتها خطر تنظيم “داعش” الذي ما زال ينشط في الأراضي السورية.
وأكد السوداني، أن العراق وسوريا يواجهان عدواً مشتركاً يتمثل في تنظيم “داعش”، وفقاً لما أفادت به وكالة “أسوشييتد برس“.
وأشار رئيس الوزراء العراقي، إلى أن حكومته حذرت الحكومة السورية من تكرار الأخطاء التي وقعت في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، عندما أدى الفراغ الأمني إلى سنوات من العنف الطائفي وصعود الجماعات “المتطرفة” المسلحة.
اقرأ أيضاً: السوداني: العراق ينسق مع الحكومة السورية لمواجهة “داعش” – 963+
تعاون لا يكفي
وفي هذا السياق، يشير رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى أن موضوع التنسيق بين دمشق وبغداد في إطار محاربة “داعش” ما زال يثير تساؤلات عدة. ويبيّن في حديثه لـ”963+” أن “إمكانية القضاء على التنظيم تظل محدودة، خاصة في ظل أن المجموعات المنتشرة على الحدود السورية ـ العراقية كانت في السابق بمعظمها تابعة فصائل مدعومة من إيران”.
ويلفت عبد الرحمن إلى أن “داعش” لا يزال منتشراً من الحدود مع الجولان المحتل وصولاً إلى الحدود العراقية، وعلى امتداد كامل التراب السوري، حيث تنشط خلايا له في مناطق متعددة.
ويشدد على أن التعاون بين العراق وسوريا، على أهميته، “لا يكفي للقضاء على داعش بشكل كامل، بالنظر إلى الانتشار الواسع للتنظيم داخل الأراضي السورية”. كما يوضح أن عمليات “داعش” لا تزال متواصلة في مناطق شمال شرقي سوريا.
ويختتم عبد الرحمن بالإشارة إلى أن التنسيق بين بغداد ودمشق قد يسهم في تضييق الخناق على التنظيم، إلا أنه “لن يقضي عليه بشكل كامل، ولم ولن ينهي وجوده”.
وفي الـثاني عشر من حزيران/ يونيو الماضي، أطلق مسؤولون سوريون وعراقيون ومن الولايات المتحدة وأوروبا، تحذيرات من استعادة تنظيم “داعش” نشاطه في سوريا العراق.
ونقلت وكالة “رويترز” عن 20 مصدراً بينهم مسؤولون أمنيون وسياسيون من سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا، أن “تنظيم داعش بدأ بإعادة تنشيط مقاتليه في سوريا والعراق”.
وكانت قد قالت المصادر، إن “التنظيم بدأ بتحديد أهداف محتملة وتوزيع أسلحة وتكثيف جهود تجنيد العناصر والدعاية”، مشيرة إلى “احتمالية استغلال داعش لسقوط نظام بشار الأسد في سوريا للعودة إلى البلاد والعراق والمجاور”.
وأكد مسؤولون أمنيون في سوريا والعراق يراقبون تنظيم “داعش” منذ سنوات لوكالة “رويترز”، أنهم أحبطوا ما لا يقل عن 12 مخططاً كبيراً هذا العام.
اقرأ أيضاً: واشنطن تستعيد قاصراً من مخيمات شمالي سوريا – 963+
الجانب الأمني أولاً
من جانبه يبيّن الدكتور طارق الزبيدي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد، أن الإعلان عن تنسيق أمني عراقي ـ سوري في هذا التوقيت ليس مستغرباً. ويشير إلى أن العلاقات العراقية السورية، ما بعد التغيير في سوريا، بُنيت ابتداءً على أساس أمني، موضحاً في تصريحاته لـ”963+” أن بغداد كانت حريصة منذ الأيام الأولى للتغيير السياسي في سوريا على تعزيز العلاقات الأمنية حتى قبل استكمال العلاقات الديبلوماسية.
ويلفت الزبيدي إلى أن وفداً أمنياً رفيع المستوى من العراق زار دمشق والتقى القيادات السياسية السورية بعد التغيير مباشرة، في إشارة واضحة إلى رغبة عراقية جدية في ترسيخ التعاون الأمني، مقابل استجابة سورية لهذه الرغبة.
ويشدد على أن توقيت هذا التنسيق يرتبط مباشرةً بهاجس أمني لدى العراق، خصوصاً فيما يتعلق بالشريط الحدودي مع سوريا، مؤكدًا أن عمليات الانتقال والتحول الديموقراطي عادةً ما ترافقها تصدعات أمنية وفوضى قد تنعكس ليس فقط على الداخل السوري، بل أيضاً على دول الجوار.
ويبيّن أن العراق يتأثر بشكل مباشر بما يحدث في سوريا نظراً لطول الحدود المشتركة والامتدادات القبلية والدينية والجغرافية، لافتاً إلى أن هذه العوامل تجعل من العراق أكثر الدول تأثرًا وتوجسًا من نتائج التغيير السوري.
ويوضح الزبيدي أن بغداد وضعت الجانب الأمني على رأس سلم أولوياتها في التعامل مع دمشق، معتبراً أن الانفتاح الأمني يسبق الانفتاح الاقتصادي أو السياسي.
ويضيف الأكاديمي العراقي أن التعاون الأمني بين بغداد ودمشق يمكن أن يسهم في الحد من نشاط “داعش”، مشيراً إلى أن “مصلحة البلدين تقتضي منع عودة التنظيم إلى الواجهة”. ويؤكد أن السلطات السورية الجديدة، باتت اليوم “أكثر براغماتية وواقعية في سياساتها”.
ويؤكد الزبيدي في ختام تصريحاته على أن التعاون الأمني بين العراق وسوريا لن يؤدي بالضرورة إلى تجفيف منابع “الإرهاب” بشكل كامل، لكنه سيساهم في تحجيمه وتقليص حركته.
ويلفت إلى أن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لم تتمكن من القضاء نهائياً على هذه المنابع، مضيفاً أن دولاً مثل العراق وسوريا، رغم كونها غير مستقرة بالقدر الكافي، “قادرة عبر هذا التنسيق على الحد من نشاط التنظيمات الإرهابية ومنع انتشارها بشكل واسع”.
“جهود بموضع شك”
بدوره، يلفت خبير الأمن الاستراتيجي عمر الرداد، إلى أنه من غير الواضح مستوى وحدود التنسيق الأمني المشترك بين الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية ونظيراتها السورية، فيما يتعلق بمواجهة تنظيم “داعش”، بوصفه خطراً مشتركاً، وفق تصريحات رئيس الحكومة العراقية.
ويضيف الرداد، في حديثه لـ”963+”، أن “الحكومة العراقية، رغم التصريحات والمواقف المتشددة الصادرة عن الحشد الشعبي المقرّب من إيران، ما تزال تحاول الإعلان عن مواقف مختلفة عن مواقف الحشد، لترسل من خلالها رسائل مفادها أنها ليست طرفاً، ولا ساحة، في الصراع الإيراني–الأميركي”.
ويشير إلى أن ذلل “قد انعكس في تغيّب السوداني عن اللقاء الذي عقده قائد الحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قآني، مع فصائل الحشد الشعبي وقوى عراقية أخرى في بغداد قبل يومين، وهو اللقاء الذي تردّد أنه جاء في سياق الاستعدادات الإيرانية لأي مواجهة قادمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل”.
وفي ضوء ما يُثار حول علاقات تخادم بين إيران و”داعش” من جهة أخرى، تبقى مشاركة الأجهزة الأمنية العراقية في أي جهود لمواجهة التنظيم موضع شكوك لدى القيادة السورية، خاصة في ظل حسابات إقليمية معقّدة وتحولات متسارعة تشمل كافة الأطراف. وبناءً عليه، يختتم الرداد حديثه بالتأكيد على أنه “من غير المتوقع أن يكون التنسيق الذي أعلن عنه السوداني قد تجاوز حدود الشكوك المتبادلة بين القيادتين العراقية والسورية بشأن ملف مواجهة داعش”.










