بعد أكثر من عقد على انسحابها الكامل من السوق السورية، تعود شركات الطاقة الأميركية إلى الواجهة، مدفوعة بمتغيرات سياسية واقتصادية عميقة، أبرزها رفع العقوبات الأميركية عن دمشق في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، هذا التحول المفصلي يعيد فتح ملفات الاستثمار الدولي في واحدة من أكثر القطاعات حيويةً وحساسية.
فمنذ اندلاع الصراع عام 2011، كان قطاع الطاقة من أوائل القطاعات التي تلقت الضربة الأقسى، انسحبت كبريات الشركات الأجنبية تباعا، تعطلت مصافي النفط، تدهورت البنية التحتية للكهرباء، وغرقت البلاد في أزمة وقود مزمنة أثقلت كاهل الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، وقد فاقم قانون “قيصر” الأميركي للعقوبات من عزلة سوريا، ليُغلق الباب حتى على المبادرات الإنسانية المتعلقة بالطاقة والكهرباء.
اليوم، وبموجب “الرخصة العامة رقم 25” الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية، تُرفع معظم القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة، ما أتاح المجال لعودة شركات أميركية كبرى مثل Baker Hughes وHunt Energy، والتي بدأت بإجراء تقييمات ميدانية لمشاريع محتملة في مجالات التوليد والصيانة والنفط والغاز.
وفي خطوة نوعية، أعلنت الحكومة السورية في شهر مايو/أيار الماضي عن توقيع اتفاق ومذكرة تفاهم في مجال الطاقة مع ائتلاف من أربع شركات دولية، بقيمة بلغت سبعة مليارات دولار، وفق ما أكده وزير الطاقة محمد البشير خلال حفل رسمي حضره الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأميركي توماس باراك.
وقال البشير إن الاتفاق هو الأول من نوعه من حيث الحجم والقيمة في سوريا”، مشيرا إلى أن الائتلاف يضم شركتين قطرية وأميركية، إلى جانب شركتين تركيتين، وأضاف أن الاتفاق يهدف إلى تطوير مشاريع لتوليد ما يقارب 5 آلاف ميغاواط من الكهرباء، تشمل أربع محطات بتوربينات غاز تعمل بالدورة المركبة ومحطة طاقة شمسية بطاقة ألف ميغاواط في جنوب سوريا.
وتكشف البيانات الرسمية عن حجم التدهور الذي شهده قطاع الطاقة خلال الحرب، إذ انخفض إنتاج الكهرباء من 9.5 غيغاواط قبل 2011 إلى 1.6 غيغاواط فقط حالياً، في قطاع النفط، انخفض الإنتاج من 380 ألف برميل يوميا إلى نحو 30 ألفًا فقط، أما إنتاج الغاز، فقد تراجع من 30 مليون متر مكعب يومياً إلى 10 ملايين فقط، في حين تُقدّر الاحتياطات المؤكدة من النفط بنحو 2.5 مليار برميل.
وتفتح هذه العودة الباب أمام فرص استثمارية واعدة، في وقت تعاني فيه البلاد من عجز كبير في إنتاج الكهرباء، وتهالك البنية التحتية، وارتفاع تكاليف التشغيل المحلي. ومن شأن دخول شركات تملك الخبرة والتقنية، أن يُسهم تدريجيًا في استعادة القدرة الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وخلق مناخ أكثر جذبًا لرؤوس الأموال
اقرأ أيضاً: اتفاقيات بأكثر من 6 مليارات دولار.. انطلاق منتدى الاستثمار السوري السعودي – 963+
فراغ اقتصادي وتعطش استثماري
يرى الدكتور عابد فضلية، أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق في حديثه لـ”963+”، “أن مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق ترافقت مع حالة من الركود الاقتصادي والتريث السياسي العام، خلّفت ما يشبه الفراغ في السوق السورية، وولّدت تعطشًا استثماريًا لدى الداخل والخارج، لا سيما بعد أكثر من عقد من الشلل شبه التام في المشاريع الإنتاجية”،
ويشير فضلية إلى أن هذا الوضع زاد من فرص الاستثمار الاستهلاكي قصير الأجل، بينما قلص في المقابل فرص الاستثمار التنموي طويل الأمد، لغياب بيئة مستقرة وواضحة.
ويحذر فضلية من التسرع في بناء توقعات غير واقعية، مؤكداً أن “التكهن بمستقبل الاستثمارات المتوسطة إلى طويلة الأجل، بما فيها الأميركية، هو ضرب من التخيل غير الموضوعي، في ظل هشاشة المشهد الحالي”، لكنه يقر بأن النوايا الاستثمارية في حال توفرت الإرادة والقدرات سيكون لها انعكاسات شاملة على الاقتصاد السوري، خاصة إن شملت مشاريع استراتيجية في الطاقة، الموانئ، والمناطق الحرة.
ويشدد على “أن مشاريع بهذا الحجم، كما يُخطط لها نظرياً، تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة غير متوفرة لدى الحكومة السورية، ما يجعل الاعتماد على المستثمر الأجنبي أمراً حتمياً، ومن شأن تنفيذ هذه المشاريع إن تم بشكل فعلي أن يُحدث تحولات اقتصادية واجتماعية ملموسة، تمس مستوى معيشة المواطنين وتخلق حالة من الانتعاش المتدرج”.
إلا أن فضلية لا يُخفي مخاوفه من عدم الاستغلال الأمثل للمشاريع أو سوء إدارتها لاحقا، مشدداً على أهمية العناية بالتشغيل والصيانة، التي لا تقل أهمية عن تأسيس المشاريع نفسها، ويختم بالإشارة إلى أن نجاح هذه الاستثمارات مرهون بتوفير إطار قانوني وتشريعي مرن ومتكامل، يؤسس لبيئة جاذبة وآمنة، ويقترح تشكيل لجان حكومية مدنية مشتركة تضم إداريين واقتصاديين وقانونيين من داخل وخارج المنظومة الرسمية، تأخذ على عاتقها إدارة هذا الملف ضمن رؤية تنموية متكاملة.
إشارات إيجابية مشروطة بالشرعية السياسية
أما رامي القليوبي، الأستاذ الزائر بكلية الاستشراق في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، فيرى أن عودة الشركات الأميركية إلى سوريا تعد إشارة إيجابية نحو انفتاح اقتصادي بعد سنوات من العزلة، لكنها في الوقت نفسه لا تخلو من حسابات سياسية مرتبطة بدعم الحكومة الجديدة بعد الأسد.
وفي حديثه لـ”963+”، يؤكد القليوبي أن نجاح تنفيذ المشاريع على الأرض “قد يمثل تحولاً نوعيًا، ليس فقط في قطاع الطاقة، بل في مجالات حيوية مثل الزراعة والصناعة، اللذين يعتمدان بشكل مباشر على توفر مصادر مستقرة ورخيصة للطاقة”، ويشدد على أن حل أزمة الطاقة سيُترجم إلى تحسن فعلي في القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما يلامس حياة السوريين بشكل مباشر.
من جهة أخرى، يرى القليوبي “أن ثقة المستثمرين الحقيقيين تظل مرهونة بقيام دولة مدنية تحكمها المؤسسات، ويُصان فيها الدستور وحقوق الأقليات، مشيرا إلى أن ذلك وحده ما يضمن استدامة الاستثمارات ونجاحها بعيدا عن الاضطرابات”.
ويحذّر القليوبي من أن التحدي الأكبر أمام نجاح هذه العودة الاستثمارية هو نيل اعتراف دولي واسع بالحكومة السورية الجديدة، مشيرًا إلى أن الانطباع العام يوحي بوجود نية سياسية داخلية لتحقيق الاستقرار، لكن هذه النية تصطدم بتحديات كبرى أبرزها الانتشار الواسع للسلاح خارج سلطة الدولة، وهو ما قد يُربك بيئة الاستثمار ويثير مخاوف رؤوس الأموال الأجنبية.
اقرأ أيضاً: شركات أميركية تشكّل تحالف استثماري لإعادة تأهيل قطاع الطاقة في سوريا – 963+
استثمارات الطاقة بوابة للتعافي الاقتصادي
يرى الباحث والأكاديمي الاقتصادي فراس شعبو “أن الأثر المحتمل لعودة الشركات الأجنبية إلى سوريا سيكون إيجابياً بوضوح، من خلال ضخ رؤوس أموال وتقنيات متطورة في قطاع الطاقة، ما ينعكس على تحسين البنية التحتية المتداعية وتشغيلها من جديد”.
ويقول في حديثه لـ”963+”: “هذا الاستثمار سيساهم في إنعاش قطاع مشلول منذ سنوات، يُعد العمود الفقري للإنتاج وتحسين الخدمات، وركيزة ضرورية لإعادة الحياة الاقتصادية إلى البلاد”.
ويشير إلى أن دخول هذه الشركات قد يُسرع تعافي الاقتصاد السوري، عبر تحسين كفاءة التوليد والتوزيع الكهربائي، وتطوير الطاقة البديلة والنفط، مؤكدًا أن “تحسين الطاقة يعني تحسين الإنتاج وخفض التكاليف، وهو ما سينعكس تدريجيا على معيشة المواطن”
وفي رده على سؤال حول نوعية الدعم الذي يمكن أن تقدمه هذه الشركات، يجيب شعبو: “نحن بحاجة ماسة لاستثمارات مباشرة في مجالات الغاز والكهرباء وشبكات النقل والتوزيع، إضافة إلى تدريب وتأهيل الكوادر المحلية، على سبيل المثال، كنا سابقًا نتخلص من الغاز المصاحب لاستخراج النفط بسبب نقص القدرة التقنية، وهو ما أدى إلى فاقد فني وتجاري كبير”.
ولم يُخفِ شعبو تحفظاته على قدرة المؤسسات السورية على استيعاب هذه المشاريع، قائلًا” هناك هشاشة في القطاع المالي، وبيروقراطية في الإدارة، وضعف في البيئة الرقابية، لكن يمكن تجاوز هذه العقبات إذا تم تعزيز الأطر القانونية والتنظيمية، مع ضمان الشفافية والمساءلة، ومشاركة القطاع الخاص والمجتمع المحلي”.
ويضيف أن دخول هذه الشركات يُعتبر إشارة سياسية إيجابية، ودعوة ضمنية للشركات الخليجية والأوروبية والسورية للاستثمار، لكن شدد على ضرورة أن تكون العقود واضحة ومعلنة “نحن لا نعرف تفاصيل التعاقد الأخير، ولا آلية تنفيذه، يجب أن تكون هناك قوانين لحماية الملكية الخاصة حتى يشعر المستثمر بالأمان”.
ويرى أن تحسين قطاع الطاقة سينعكس على الإنتاج الصناعي والزراعي، ما يؤدي إلى خفض التكاليف وتحسين مستوى معيشة المواطنين، لكنه حذر من الإفراط في التوقعات السريعة، معتبرا أن الأثر الحقيقي لن يُلمس قبل عامين إلى ثلاثة أعوام على الأقل.
ويختم بالقول: “إذا لم ترفق هذه المشاريع بإصلاحات قانونية ومالية وتشريعية، وتعزيز للرقابة وشفافية العقود، فإنها ستبقى مشاريع حبر على ورق، الأشهر الستة المقبلة ستكون كفيلة بالكشف عمّا إذا كنا أمام نقلة نوعية فعلية في الاقتصاد السوري، أم أمام موجة مؤقتة سرعان ما تتلاشى”.










