لحظة وفاة زياد الرحباني تحوّلت في هنيهةٍ إلى خسارة شخصية للجميع، أحزاباً وأفراداً وفئات وتيارات وتوجّهات، حتى أولئك الذين لم يتّفقوا مع أفكاره يوماً أو أزعجتهم آراؤه أو طرحت بينهم جدلاً أو “سوسة” لنقاش طويل. وقفوا كلهم في صفّ العزاء الطويل ومعه شيء من زياد، أغنية، فكرة، مسرحية، معزوفة…
في الطريق إلى وداع زياد، يصعب تحديد هوية الراحل إن كنتَ لا تعرفه، يصعب أن تحدّده في حزب أو طائفة أو منطقة أو مجموعة، فالجميع نعاه بحق، الجميع تسلّقه حزن ما، لحظة توارى زياد عن هذا العالم الذي ربما لم يعد يكفيه ولم يعد يشبهه. وكأننا جميعاً ننتمي إلى زياد في مكانٍ ما!
في كنيسة سيدة الرقاد في المحيدثة حيث كان الوداع الأخير، ناس مختلفون وغريبون عن بعضهم بعضاً، وهو شيء يمكن أن يُرى بالعين، تكاد تسأل: ما الذي يجمع شاباً بضفائر طويلة وجينز طويل ممزق، بسيدة تبدو من جيل الحرب أي جيل الانكسار الطويل؟ ولماذا يبكيان معاً، وربما على الأغنية ذاتها؟ وما الذي يجمع هاذان برجل بمنتهى الأناقة لم يأتِ لتمثيل حزبه فقط، بل لتمثيل نفسه كشخص يعنيه زياد مثل الشاب ذي الضفائر الطويلة والسيدة التي مزّقتها أصوات المدافع، وحين انتهت الحرب أمسكت بأشرطة مسرحيات زياد حتى لا تنسى أن الحكاية كلها كانت نكتة بمنتهى الحماقة، لكنها دامت 15 عاماً. كل هؤلاء جيل الحرب وما بعدها وما بعد بعدها، حين تسأل ما الذي يجمعهم، تكون الإجابة زياد الرحباني.
حتى إنّ فيروز الأخوين الرحباني، استطاعت أن تخترق الأجيال الجديدة بـ”كيفك إنت”، و”في شي عم بيصير” و”بيتي الزغير بكندا”… فيروز بنسختها الأكثر حيوية والتصاقاً بنا نحن الجيل الذي أتى لاحقاً، صنعها زياد، ثم بعد بضع سنوات رحل وترك لنا أعمالاً تستحق أن نعيش كثيراً من أجل أن نسمعها ونشاهدها مراراً وتكراراً.
حين وصلت فيروز إلى المكان تغيّر المكان، تغيّر طعم الحزن وطعم الخسارة، السيّدة وصلت! رُكنت السيارة أمام الكنيسة، وبدأ الهمس بأنها هي، هي ولا أحد سواها، حين نزلت من السيارة وبدا وجهها متواضعاً وشاحباً تحت الوشاح الأسود، بكى معظم الحاضرين، ربما جميعنا أتينا من أجل تلك اللحظة، أن نبكي مع فيروز على زياد.
وإن كنت أعتقد أن آخر ما رغبت به فيروز في يومها الصعب هذا أن يتحوّل المشهد من لحظة وداع زياد إلى نقل مباشر للحظة ظهور فيروز النادر بين الناس، ولكن ربما استطاعت الدموع حولها والحب الذي غمرها حينذاك أن يخففا عنها بعض المصاب.
مجموعة سيدات بدأن بترنيم “أنا الأم الحزينة”، كنّ بذلك يحاولن تعزيتها، لكن لحظة ظهور فيروز بيننا كانت خافتة وسريعة، انتقلت بعدها إلى القاعة لتلقي العزاء بنجلها.
فنانون وسياسيون وإعلاميون ومستمعون اجتمعوا من أجل الوداع الصعب لزياد الذي علّم الأجيال أن تجرؤ على الضحك ولقّنها فنون العبث والنضال بالسخرية. زياد الرحباني، ابن الأسطورتين عاصي وفيروز، لم يسِر على خطاهما الفنية فحسب، بل شقّ دربه الاستثنائي، حتى طبعت أعماله أجيالاً كاملة، وخلدت في ذاكرة لبنان بسلامه وحروبه، بالمسرح والموسيقى والشعر والأغاني، وخلطة الجاز والموسيقى الشرقية. إنها الخلطة ذاتها التي يمكن أن يراها المرء بوجوه أهل البلد المتنوعين الذين وحّدهم يوم الحزن على ذاك العابث العبقري، قليل الكلام والظهور، زياد.
من “نزل السرور” إلى “فيلم أميركي طويل” و”شي فاشل”، مسرحياته لم تكن مجرد عروض، بل مرايا عاكسة للواقع اللبناني، بأسلوب زياد اللاذع الذي لطالما فكّك همومنا وأوطاننا المتخيّلة بواقعيته الصارمة والضاحكة في آن. كلمات أغانيه، التي غنّت معظمها والدته فيروز، مثل “سنرجع يوماً” التي أصبحت نشيد عودة وأمل، و”كيفك أنت” التي لامست قلوب المحبين، و”إيه في أمل” التي بثت روحاً من الصمود، كلها نقشت في الوجدان الجماعي واستدعت يسارياً غارقاً في غيفارا ويمينياً شديد الالتزام، للضحك من “النهفة” ذاتها ومن جنون البلد ذاته. جمع زياد الكبار والصغار، “الشرقية” و”الغربية” (بحسب تقسيم الحرب الأهلية لبيروت بين شرقية للمسيحيين وغربية للمسلمين)، اليمين واليسار، المسيحيون والمسلمون، لقد أضحكهم مراراً والآن بكوا عليه مرّة واحدة.
في زمن الحرب الأهلية، كانت أعماله متنفساً ومحاولة لفهم الجنون المحيط، صوتٌ ناقد وضاحك وسط ضجيج الرصاص.
وبعد الحرب، بقي صوته حاضراً، يعري الفساد ويُسائل الواقع بأسلوبه الساخر والمتقن. زياد لم يكتفِ بإبهارنا فنياً، بل رسّخ فينا ثقافة النقد، وكسر التابوهات، ودفعنا للتفكير. اليوم، بيروت تودّع ابنها البار، ويتردد صداه في كل زاوية من زواياها، شاهداً على أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتجذر في ذاكرة الأوطان وأجيالها.
إحدى صديقات زياد التقيتها على باب الكنيسة، قالت لي: “كل هذا الفولكلور ليس زياد، زياد قصة أخرى”. ثمّ بكت من كل قلبها فيما كان الجثمان محمولاً في طريقه إلى داخل الكنيسة.
أظننا لن نكتفي أبداً من زياد، حتى إذا كنا نعارض أفكاره في السياسة أو المجتمع أو غير ذلك، لكن هذا هو زياد، إنه الجدل، إنه النقاش والطرح والطرح الآخر… رحل ولا نستطيع أن نوقف موت أحد مهما كان عبقرياً ومهما بقينا متمسّكين، رحل زياد لكننا بكينا مع فيروز يوم زياد.. وهذا عزاء صغير.










