منذ عام 1970، شهدت سوريا تحولاً في طبيعة النظام الحاكم بقيادة حافظ الأسد ثم ابنه بشار، حيث انتقل من الطابع العسكري إلى نمط أمني مركّز. خلال هذه الفترة، أُنشئت أجهزة أمنية متعددة المهام، وتوسعت صلاحياتها ضمن هيكل الدولة. تركزت مراكز صنع القرار في مستويات محددة من القيادة السياسية، بينما تراجعت أدوار بعض المؤسسات الرسمية مثل البرلمان والقضاء. كما استمر حزب البعث في لعب دور محوري في الحياة السياسية، في حين تقلصت مشاركة التشكيلات الحزبية الأخرى ضمن المشهد العام.
اعتمد النظام على بنية طائفية ضيقة، خاصة في المناصب العسكرية والأمنية، مما أسهم في تكريس الانقسام المجتمعي. في الوقت ذاته، شهد الاقتصاد تحوّلاً إلى نموذج ريعي احتكاري، تركزت عوائده في أيدي أفراد وشبكات مقربة من النظام، مما ساهم في إفقار الطبقة الوسطى وتوسيع الفجوة الاجتماعية. ومع توريث الحكم لبشار الأسد عام 2000، استمرت سياسات التمركز العائلي للسلطة، مع وعود إصلاحية لم تتحقق على أرض الواقع.
وأدت هذه السياسات إلى تآكل مؤسسات الدولة وتدهور القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة، وتفاقم البطالة والفقر. تصاعد الاحتقان الشعبي نتيجة التهميش والانقسام المجتمعي، مما أسهم في اندلاع احتجاجات عام 2011. ومع ذلك، قابل النظام هذه الاحتجاجات بالحلول الأمنية، وهو ما ساهم في تصعيد الصراع وتحويله إلى أزمة إنسانية معقّدة، اعتُبرت من بين الأكبر في القرن الحادي والعشرين.
اقرأ أيضاً: كيف تبدو علاقة سوريا مع العراق ما بعد البعث؟
يقول العميد فايز الأسمر، خبير عسكري، لـ”963+”، أنه “بالتأكيد من خلال سلوك وأساليب وطرق النظام الأسدي في إدارة البلاد منذ تاريخ تسلمه للسلطة في سوريا وحتى لحظة سقوطه، والتي استطاع حقيقة من خلالها استمرار حكمه طيلة هذه الفترة وعليه، فقد لجأ النظام منذ بدايات حكمه إلى تصفية معارضيه، والزج بهم في غياهب السجون، والعمل أمنياً وعسكرياً إلى تحويل سوريا إلى مزرعة خاصة له ولعائلته، ولكبار المجرمين الذين ساعدوه بتثبيت دعائم حكمه، وأجرموا بحق الشعب السوري ومن كل الطوائف والإثنيات من خلال حكم استبدادي شمولي مخابراتي”.
ويضيف: “لاشك أن الأسد الأب والابن، ومن والأهم من عصاباتهم، ووفق أساليب ممنهجة لجأوا إلى أساليب سوداء كثيرة تعينهم على إبقاء المجتمع السوري مفككاً إلى اثنيات وطوائف، وزرع في أنفس الأقليات أنه هو الوحيد القادر على حمايتهم من محيطهم السنّي، ويجب أن يلتفوا حوله ويساعدوه، ويتعاونوا معه دون تردد أو تذمر أو تفكير
بينما يرى صلاح سليمان، محلل سياسي، يقيم في مدينة ميونيخ الألمانية، في حديثه لـ”963+”، أن أهم الأسباب التي حوّلت سوريا إلى دولة أمنية استبدادية؛ هو الجنوح إلى تورث الحكم. وبات ذلك عزماً قوياً للرئيس الأسبق حافظ الأسد، الذي كان يعد ابنه باسل ليكون الوريث، لكن وفاته دفعته للإسراع إلى تجهيز وإعداد بشار الأسد الذي فشل فيما بعد بإدارة سوريا، دون النظر للقيادات السياسية الأخرى.
اقرأ أيضاً: من الأسد إلى الشرع.. كيف تغيرت معادلة ترسيم الحدود مع لبنان؟
ويضيف أن عائلة الأسد واصلت إصرارها في حكم سوريا بالاعتماد على العائلة في جميع مفاصل الدولة، الأمر الذي أدى فيما بعد لضرب بنية الدولة العسكرية التي بناها حافظ وابنه بشار.
ويرى أن مشاركة الطيف السياسي والتحوّل إلى الديموقراطية من أهم دعائم الأنظمة السياسية التي تؤسس لدولة وشعباً راقياً، أما من يسعى لتحويل الدول إلى عائلة يمكن أن ينظر إلى ما وصلت إليه الأمور في سوريا.










