عانت سوريا من تحديات بيئية حتى قبل الحرب، مثل ندرة المياه والتصحر، إلا أن الصراع زاد الوضع سوءاً بشكل كبير. فوفقاً لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، أدت الحرب والمناخ إلى تدمير أكثر من 30% من الغطاء الحرجي في سوريا، كما أن تلوث التربة بالمواد الكيميائية والمتفجرات أصبح يشكل خطراً طويل الأمد على الزراعة والسكان.
وتصنف سوريا الآن ضمن الدول العشر الأكثر عرضة لخطر التصحر عالمياً، حيث تكشف صور الأقمار الصناعية عن تدهور خطير في الأحواض المائية الرئيسية مثل حوض نهر الفرات، الذي انخفضت تدفقاته بنسبة 40% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع.
وأظهرت دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية عام 2023 أن المناطق الأكثر تأثراً بالتلوث الحربي في سوريا سجلت معدلات أمراض سرطانية تفوق المعدل الإقليمي بثلاثة أضعاف، مع وجود تركيزات خطيرة من الرصاص والكادميوم في عينات التربة والمياه. كما أن 60% من الآبار الجوفية في شمال غرب سوريا أصبحت غير صالحة للشرب وفق معايير منظمة الصحة العالمية.
ويقدر البنك الدولي أن الخسائر البيئية المباشرة في سوريا تجاوزت 14 مليار دولار، مع فقدان 50% من القدرة الإنتاجية للأراضي الزراعية. وتتطلب معالجة التلوث الناتج عن المواد الكيميائية الحربية تقنيات متقدمة مثل المعالجة الحرارية والاستخلاص النباتي، التي تتكلف ما بين 50 إلى 200 دولار لتنظيف كل متر مربع من التربة الملوثة. وتشير تجارب دول مثل العراق إلى أن إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الحروب الكيميائية قد تستغرق ما يصل إلى 15 عاماً حتى مع توفر التمويل الكافي.
اقرأ أيضاً: موانئ سوريا الجافة.. تدفقات استثمارية بفوائد اقتصادية!
وأثر التلوث البيئي على التنوع البيولوجي، فقد اختفى 28 نوعاً نباتياً و12 نوعاً حيوانياً من المحميات الطبيعية السورية، بينما تواجه 40% من الأنواع المتبقية خطر الانقراض. وتشكل النفايات الطبية والإلكترونية المتراكمة تهديداً جديداً، حيث يقدر حجمها بأكثر من 250 ألف طن دون معالجة آمنة.
وتُظهر تجارب دولية سابقة مثل حالة البوسنة بعد حرب التسعينيات أن التعافي البيئي الكامل قد يستغرق ثلاثة عقود، مع ضرورة توفر عوامل أساسية، مثل؛ التمويل المستدام، والخبرات الفنية، والاستقرار السياسي. وفي الحالة السورية، أضافت العقوبات الاقتصادية طبقة اخرى من التعقيد على جهود الإصلاح البيئي، حيث كان يُحظر استيراد العديد من التقنيات والمعدات اللازمة لمعالجة التلوث.
عوامل مركبة لتلوث كارثي
يقول الدكتور حنا الخوري، رئيس الجمعية اللبنانية للإنماء الزراعي والاجتماعي، وخبير في القضايا البيئية، لـ”963+”، إن “الوضع البيئي في سوريا صعب للغاية في ظل الحرب التي دارات في البلاد، وفاقم من صعوبته التغيرات المناخية والجفاف الذي يضرب بلاد الشام”.
ويضيف أن سوريا عانت من التلوث البيئي نتيجة ظروف الحرب والأسلحة التي تم استخدامها، من قذائف وبراميل وصواريخ وحتى المواد الكيميائية التي رصدت منظمات دولية استخدامها في عدد من المناطق السورية.
ويشير أن الأراضي السورية تعاني بمعظمها من تلوث بيئي من حيث الهواء وحتى المياه ملوثة، وتداخل شبكات الصرف الصحي مع شبكات الماء، بالإضافة إلى وجود مكبات عشوائية مكشوفة ومنتشرة في الطرقات، حيث تحتاج البلاد إلى الكثير من الجهود للتعافي والعودة إلى طبيعتها من جديد.
ويلفت إلى أن التلوث البيئي في سوريا يمكن معالجته لكنه يحتاج الكثير من الأموال لا يمكن تقديرها حيث تحتاج إلى إحصائيات دقيقة، كما أنه يحتاج إلى نحو ثلاث سنوات في حال كانت الأمطار غزيرة خلال فصل الشتاء، لكن في حال حدوث جفاف خلال العامين المقبلين كما العام الحالي فإن الوضع سيتفاقم ويصبح أكثر مأساوية.
تقييم للكلفة والأضرار
يقول نديم ملاعب، الخبير الزراعي والبيئي، يقيم في بيروت، لـ”963+”، إن كلفة التعافي البيئي بعد الحرب تحتاج إلى تقييم دقيق للأضرار التي نجمت عن استخدام مواد مضرة بنظام الطبيعة على عدة مسافات زمنية، منها الضرر المباشر من تدمير الطبيعة والمساحات أو المسطحات الخضراء، وكذلك تدمير هيكلية التنوع البيولوجي، وما يشتمل على مصادر غذاء الإنسان وصحة الإنسان نفسه، وما دخل عليها من تلوث يهدد بأمراض مؤقته أو مزمنة.
ويضيف أن منها كما تقول التقارير، إنها تؤثر على الصحة المناعية سواء للنبات كما الحيوان والإنسان، بالإضافة إلى الضرر الاقتصادي والذي بدوره يتأثر بكلفة الفاتورة الصحة، كما في أغلب الاماكن التي تحصل فيها حروب، حيث تعم الفوضى، وتتضاءل الرقابة.
ويشير أن ما نلاحظه بأقل تعديل من القطع العشوائي للغابات، والرعي الغير مسؤول، صيانة الصرف الصحي، تلوث المياه سواء العينية أم الجوفية، وانتشار الأمراض والأوبئة.
ويلفت إلى أنه مثلما يمتلك الإنسان من نظام للجهاز المناعي كذلك البيئة لديها مناعتها الخاصة ضمن نظام معقد التكوين. فقد تحتاج الطبيعة إلى أربعة فصول لإعادة هيك ليتها عند تعرضها إلى الحرائق مثلاً.
اقرأ أيضاً: لماذا لا تنبت الديموقراطية في البيئة العربية؟
وهنا نشير إلى الحرائق الطبيعية من دون عوامل خارجية مثل المواد الكيميائية الملوثة الحارقة كما الناتجة عن نفايات سامة أو مخلفات القنابل والمواد المتفجرة والمشعة. فكل درجة تلوث زيادة تحتاج إلى أربعة فصول أخرى، وفقاً لملاعب.
ويشير إلى أن المقصود ليس فقط الأخذ بالاعتبار التلوث السطحي أو الجمادي المنظور ومصادر الغذاء الخضراء، فلا بد من أنه يتجاوز ذلك إلى الثروة المائية الجوفية، وكذلك الأنهار والمسطحات المائية وما تحتويه من ثروة سمكية.
ويلفت إلى أن تحديد وقت زمني للتبشير بالتعافي لا زال باكراً، إن لم يكن مبني على تقييم علمي ومخبري دقيق يوثق نسبة التلوث والأضرار الناتجة عنها. وفي هذه الحالة؛ أسرع ما يمكن فعله هو إزالة المخلفات المقدور عليها محلياً، وإقامة دورات إرشاد وتوعية للمقيمين وتشجيع استصلاح الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة إلى حين وضع خطة شاملة تقوم على أساس علمي، بعد تقسيم جدول الأولويات، والتي يمكن أن يحتاج تطبيقها إلى سنوات عديدة.










