بعد أكثر من عقد من الحرب، يواجه الواقع البيئي في سوريا أزمة عميقة تُعد من بين أكثر تداعيات النزاع إهمالاً وخطورة. فقد تسببت العمليات العسكرية، والقصف العشوائي، واستخدام الأسلحة الثقيلة والكيماوية، في تدمير البنية التحتية البيئية، وتلويث الهواء والمياه والتربة، وتدهور الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي. ورغم أن الاهتمام الإنساني غالباً ما يتركز على الضحايا واللاجئين، فإن البيئة السورية أصبحت ضحية صامتة، ما يهدد الصحة العامة، ويقوّض فرص التعافي الاقتصادي والاستقرار وإعادة الإعمار في المرحلة الحالية.
وسبق أن أصدر النظام السوري المخلوع العديد من المراسيم التشريعية المتعلقة بحماية البيئة، بما في ذلك إحداث وزارة خاصة للبيئة في العام 2009 بموجب “المرسوم التشريعي رقم 25 القاضي بإحداث وزارة الدولة لشؤون البيئة التي تتولى المهام والاختصاصات التي كانت تتولاها وزارة الإدارة المحلية والبيئة”.
إلا أن الأمر لم يدم طويلاً، ففي العام 2016، صدر القانون رقم 18 لعام 2016 القاضي بإحداث وزارة باسم وزارة الإدارة المحلية والبيئة، أي العودة إلى الوضع السابق، وذلك بسبب آثار الحرب من جهة، وبسبب الآلية التي تنظر منها السلطة إلى مسألة البيئة من جهة ثانية. وبالمحصلة، بقيت جميع المراسيم مجرّد حبر على ورق بسبب بنية السلطة السورية السابقة التي تعيق تطبيق أيّة مراسيم تتعارض مع مصالح الأسرة الحاكمة في سوريا.
وفي أيار/ مايو الفائت، أطلق وزير الإدارة المحلية والبيئة في الحكومة السورية، محمد عنجراني، رؤية عمل واسعة تهدف إلى بناء إدارة محلية عصرية وفعّالة، وذلك لمواجهة التحديات المتمثلة في المؤسسات المنهكة والخدمات التي تحتاج إلى إعادة بناء.
وأوضح عنجراني ضمن سلسلة تغريدات نشرها على حسابه في منصة (إكس) أن جهود وزارته تتركّز على المناطق المنكوبة لتوفير الخدمات، وتسهيل عودة كريمة للمهجّرين والنازحين، إلى جانب العمل على تحقيق التوازن في الخدمات والمشاريع بين المحافظات، وإعادة هيكلة الوزارة والجهات التابعة لها، لجعلها أكثر كفاءة وأسهل في التعامل.
اقرأ أيضاً: الأسلحة الكيمائية والمتفجرات.. تلوث الهواء والمياه والتربة في سوريا – 963+
آثار بيئية كارثية
يرى المهندس شربل أبو جودة مستشار اقتصادي وناشط بيئي والمقيم في لبنان أن الحرب السورية التي استمرت منذ عام 2011 خلفت آثاراً بيئية كارثية منها تلوث الهواء والتربة والمياه والنفايات الصلبة والطبية بالإضافة إلى الضرر على التنوع البيولوجي ويشدد على أن سوريا تعاني من أزمة بيئية معقدة تُصنّف من بين الأسوأ في المنطقة بعد النزاعات، بحسب تقارير الأمم المتحدة وبرامج الإغاثة البيئية.
ويشير أبو جودة لــ”963+” إلى أن القوانين التشريعية التي صدرت في عهد النظام السابق لم تطبق فعلياً على أرض الواقع بعد الحرب، بسبب انهيار المؤسسات الإدارية والرقابية، وغياب السلطة البيئية في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة والتركيز على القضايا الأمنية والسياسية على حساب البيئة.
أما فيما يخص التشريعات والقوانين البيئي في ظل الإدارة الانتقالية الحالية يؤكد أبو جودة أنه “لا يوجد حتى الآن إطار تشريعي بيئي جديد موحّد أو واضح، خاصة أن سوريا حالياً مقسّمة بين عدة سلطات (دمشق، الإدارة الذاتية، المعارضة المسلحة) ولكل منها قوانين جزئية ومتناقضة أحياناً”.
ويوضح أن القوانين البيئية القديمة ما زالت قائمة نظرياً، لكنها شبه معطلة، وتحتاج لتحديث شامل ضمن إطار سياسي موحّد بعد التوصل إلى تسوية سياسية.
تحديات تواجه الحكومة الانتقالية
كما يضيف أن وزارة الإدارة المحلية والبيئة في الحكومة الانتقالية تحاول ضمن إمكانياتها معالجة بعض الأضرار، كإعادة تدوير النفايات في دمشق أو استصلاح بعض الأراضي، لكنها تصطدم بتحديات أكبر بكثير من قدراتها بما في ذلك نقص التمويل والخبرات والفساد الإداري إلى جانب الغياب الأمني في بعض المناطق وضعف الرقابة البيئية.
وتابع حديثه قائلاً: “هناك عدة مطالب تواجه الحكومة الانتقالية حالياً أبرزها اعتماد نهج “العدالة البيئية” أي أن تُمنح البيئة نفس الأولوية مثل المصالحة السياسية والعدالة الاجتماعية، لأن البيئة ترتبط مباشرة بصحة المواطن وكرامته بالإضافة إلى إدماج البعد البيئي في كل مشاريع إعادة الإعمار وتنفيذ مسح بيئي شامل لتحديد المناطق الأكثر تلوثاً.
من جانبه يؤكد رئيس حزب البيئة العالمي الدكتور دوميط كامل لـ”963+”، أن البيئة العالمية والبيئة العربية بشكل عام تشهد أزمات عديدة وخطيرة بسبب التغير المناخي العالمي والاحترار الذي أدى إلى انخفاض المتساقطات والثلوج وزيادة التدهور في الإنتاج الزراعي وانخفاض منسوب المياه العذبة في الأنهار، ومياه الينابيع، والمياه الجوفية، إضافة إلى ارتفاع أيام الجفاف وعدم المتساقطات لأكثر من 200 يوم سنوياً.
ويتابع كامل قوله: “إن الحكومة السورية الانتقالية تقوم بإستراتيجيات هامة جداً وعلى كافة الأصعدة، فالنهضة السريعة والعلمية والصادقة في جميع المجالات والوزارات، ويشير إلى أن جميع القرارات ستشمل الأمور البيئية وسنشهد تطوراً بيئياً علمياً بامتياز لحماية البيئة السورية في جميع المجالات”.
اقرأ أيضاً: السلامة البيئية بعد النزاع المسلح في سوريا – 963+
وخلال السنوات الأخيرة، تكبّدت سوريا خسائر بيئية فادحة نتيجة التلوث والنزاع المسلح بين أطراف النزاع فقد تضرر أكثر من 40 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، خاصة في الشمال السوري، بسبب إزالة الغابات، الرعي الجائر، الألغام، وتسرب النفط فيما فقدت سوريا 20.4٪ من غطائها الشجري خلال سنوات الحرب، وتراجعت نسبة الغابات الطبيعية إلى أقل من 3٪ أما الخسائر الاقتصادية المرتبطة بتلوث الهواء وحده قُدّرت بما بين 0.6 إلى 1.42٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
وحلت سوريا في المرتبة 18 بين أكثر الدول تلوثاً في العالم (من بين 92 دولة) في العام 2019، وفقاً لتصنيف منظمة الصحة العالمية، إذ بلغ تركيز الجسيمات الدقيقة ثلاثة أضعاف مستوى التعرض الموصى به عالمياً.










