في الوقت الذي بدا فيه قرار وقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب للجميع كقرار فوقي فرضته تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته “ثروت سوشيال”، ناقش الجميع مدى قدرة هذا القرار على تثبيت الهدنة وتعزيز أركانها، خاصةً أن سيناريوهات اليوم التالي لا تخلو من فرضية الانزلاق إلى حالة السيولة الميدانية من جديد، سواء عبر المواجهة المباشرة أو من خلال الوكلاء التابعين لطهران ضد تل أبيب، لا سيما أن الصراعات في هذه الساحات لم تكن يوماً بمعزل عن أطر المواجهة، بل صاغت خلال السنوات الأخيرة مسارح نفوذ وتنافس، سواء ضمنياً أو علنياً.
ومع تصاعد منسوب التوتر الكامن بين طهران وتل أبيب نحو مواجهة علنية ومباشرة خلال شهر حزيران/يونيو الجاري، يبرز سؤال محوري: هل تتحول هذه الساحات في اليمن ولبنان وسوريا والعراق إلى ميادين صراع جديدة في المواجهة المفتوحة على النفوذ بين إيران وإسرائيل؟
ويُطرح هذا السيناريو في سياق تزايد التقديرات حول إمكانية لجوء طهران إلى تفعيل ساحات الصراع خارج حدودها المباشرة، عبر استخدام أطراف مرتبطة بها مثل “حزب الله” في لبنان و”الحوثيين” في اليمن، بما يعزز الضغط العسكري ويوجه رسائل تكتيكية في إطار أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
وفي المقابل، قد ترى إسرائيل في هذا التوجه مبرراً للتفكير في تنفيذ ضربات استباقية تستهدف مخازن الأسلحة المتطورة التي تمتلكها تلك الجماعات، إضافة إلى شبكات التهريب المرتبطة بها.
اقرأ أيضاً: تحذيرات من تصاعد وتيرة الحرب بين إيران وإسرائيل – 963+
حروب الوكلاء
وفي سياق إدارة هذا الصراع، قد تسعى طهران إلى تبني سياسة مرنة من خلال التركيز على جبهات معينة، كاليمن مثلاً، لتفعيلها بشكل أكبر دون استنزاف بقية الجبهات في الوقت نفسه، بهدف الحفاظ على أدواتها وضمان استمرارية نفوذها. أما إسرائيل، فتركز على ترسيخ معادلتها الأمنية في المنطقة، معتمدة في ذلك على سياسة الردع العسكري، ولا سيما في المناطق التي ترى أنها تشكل امتدادًا لنفوذ طهران، بهدف الحد من تأثير هذا النفوذ وتقليصه.
في هذا السياق، يقول الكاتب السياسي باسل صالح إن المعطيات الراهنة والتصريحات المتضاربة لا تشير إلى أن شروط الحرب قد انتهت.
ويوضح صالح، في حديثه لـ”963+”، أن “شروط استئناف العمليات العسكرية لا تزال قائمة، سواء بين إيران وإسرائيل أو بين إسرائيل وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وغيرهم، خصوصًا أن العمليات العسكرية في غزة لم تتوقف، وأن إسرائيل لم تقدم أي حل يقضي حتى بالاعتراف بحل الدولتين”.
ويلفت إلى أن “القراءة الأكثر ترجيحاً تشير إلى أننا في فترة استراحة ما بين حربين”، موضحاً أن هذه الاستراحة قد تنقضي على أكثر من مستوى من خلال العودة إلى المواجهة العسكرية.
ويبيّن أن الشروط الميدانية لا تزال حاضرة، خصوصاً في الساحة اللبنانية، ما يفسر استمرار الضربات الإسرائيلية لمواقع في لبنان وسوريا لاستكمال هيمنتها، رغم وجود طاولة مفاوضات نشطة تتناول ملفات متعددة بين إسرائيل وكل من لبنان وسوريا.
ويشير صالح إلى أن من أبرز الملفات المطروحة على هذه الطاولة: “استكمال تفكيك ما تبقى من ترسانة حزب الله، وتحييد الحوثيين، وتقويض أي خطر على المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وهي شروط أساسية لضمان هيمنة إسرائيل على المنطقة”.
ويؤكد على أن “إسرائيل تسعى إلى بلوغ يقين أمني نهائي وهيمنة تامة على المنطقة، وهذان الهدفان لا يتحققان إلا عبر الصراع العسكري المباشر أو غير المباشر، في حال فشلت المسارات والضغوط السياسية والدبلوماسية في تحييد هذه التهديدات”.
ويشدد الأكاديمي اللبناني على أن “الولايات المتحدة الأميركية، وإن كانت لاعباً فاعلاً، قد لا تعارض بشكل صريح عودة انخراط إسرائيل في جولات جديدة من العمليات العسكرية إذا رأت في ذلك ضرورة لحماية أمنها أو أمن حلفائها”.
وجاء وقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب بعد حربٍ استمرت اثني عشر يوماً، لكنها كانت ليالي طويلة على مشهدية مستقبل الشرق الأوسط وآفاق التنافس والصراع بين القوى الفاعلة. لذا، فإن الجميع يترقب الخطوة التالية من كل الأطراف، ومدى قدرة الهدنة على الصمود، خاصة مع حديث وسائل إعلام إيرانية عن معاودة طهران الجلوس مجددًا إلى طاولة الحوار والتفاوض مع واشنطن خلال الأيام القادمة.
قد يُسهم نجاح المفاوضات المرتقبة في التخفيف من حدة الأزمة الراهنة واحتواء التصعيد. في المقابل، قد يؤدي تعثر هذه المفاوضات إلى تصاعد التوتر واحتمال العودة إلى المواجهات المباشرة.
وفي هذا السياق، تطرح بعض التحليلات احتمال لجوء إيران إلى تنشيط دور جماعات متحالفة معها في المنطقة بهدف تعزيز قدرتها على الردع. كما يُحتمل أن تتجدد العمليات غير المعلنة بين الأطراف، عبر ما يُعرف بـ”حروب الظل”، مع استمرار إسرائيل في التركيز على تنفيذ عمليات استخباراتية محددة تستهدف شخصيات بعينها دون إعلان رسمي عن مسؤوليتها عنها.
اقرأ أيضاً: تل أبيب: الضربات الجوية بين إيران وإسرائيل قد تستمر شهراً – 963+
تحالف العقيدة والمصير المشترك
بدوره، يقول الباحث اليمني همدان العليي إن “الحوثيين والنظام الإيراني يرتبطان بكافة سمات العلاقة العضوية”. ويبيّن العليي، في سياق حديثه لـ”963+”، إن “ارتباط جماعة الحوثي بالنظام الإيراني لا يمكن اختزاله في تحالف سياسي ظرفي، كما هو حال التحالفات التقليدية بين الدول أو الجماعات، بل هو تحالف عضوي مركب، يقوم على أسس العِرق والعقيدة والمصير الاستراتيجي المشترك”.
ويلفت إلى أن “العلاقة بين الحوثيين في اليمن والنظام الخميني في إيران ليست مشابهة لعلاقة حزب الله أو سوريا بطهران، كما أنها تختلف عن التحالفات بين دول مثل الصين وروسيا، إذ تحتفظ كل دولة من هذه الدول بهويتها وأيديولوجيتها ومصالحها الوطنية الخاصة، بينما تتماهى جماعة الحوثي كليًا في المشروع الإيراني”.
ويشير العليي إلى أن “جماعة الحوثي ترى في إيران الامتداد العقائدي والعرقي لمشروعها القديم/الحديث، مستدلاً باعتبار عبد الملك الحوثي للخميني بمثابة “ابن عم”، وزعمهما الانتماء إلى سلالة آل البيت، وهو ما يفرض – بحسب وصفه – رابطة شعورية تترجم إلى تنسيق وتكامل مختلف عن التحالفات السياسية المعروفة”.
ويؤكد أن هذا الانتماء لا يتوقف عند حدود النسب، بل يظهر في وحدة العقيدة السياسية والروحية، على الرغم مما يراه البعض من تباينات فقهية بين “الزيدية الجارودية” و”الإمامية الاثني عشرية”.
ويوضح أن أي تطور يطال النظام في طهران لا بد أن ينعكس مباشرة أو بشكل غير مباشر على جماعة الحوثي، سواء على مستوى القيادة أو القواعد.
ويتابع العليي قائلاً إن تصاعد الضربات الإسرائيلية، وتصفية عدد من قيادات الحرس الثوري، وظهور مظاهر ضعف النظام الإيراني داخلياً، “كلها عوامل تزيد من هواجس الحوثيين، وتدفعهم للشعور بتهديد وجودي”.
ويختتم العليي حديثه بالتأكيد على أن “أي اهتزاز لمركز طهران سيعيد في وعي الحوثيين مرحلة “الضعف”، ليس من باب الاضطهاد، بل نتيجة لفقدان أدوات السيطرة والتمكين التي ظلوا يعتبرونها دليلاً على تفوقهم العقائدي والسياسي، بل و”حقهم السماوي” في قيادة الأمة”.
وبناءً على ما سبق، تبدو التطورات الميدانية الأخيرة – بحسب الباحث اليمني همدان العليي – ساحة لطرح سؤال لافت حول مستقبل هذه الأذرع الإقليمية، وعلى رأسها جماعة الحوثي، وكيف سيكون تموضعها السياسي والعسكري في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
ويبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن سقوط النظام الإيراني قد يقود إلى انحسار نفوذ الجماعة تدريجياً، وإضعاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، بما يساعد الأطراف اليمنية الأخرى على استعادة العاصمة اليمنية، دون غض النظر عن أن طهران ستعمل حتماً على توظيف الحوثي ودفعه إلى أتون الصراع مع تل أبيب، حماية لنفسها ولنظامها السياسي وقوامه العسكري والاقتصادي.










