على تخوم الجولان المحتل، وتحت أنظار قوات “الأندوف” الأممية، يعيش سكان ريف القنيطرة قلقاً متزايداً أمام ما يصفونه بـ”التمدد الزاحف” للجرافات الإسرائيلية، التي لا تكتفي بقطع الأشجار، بل تقطع معها صلة الجغرافيا السورية بنفسها، وتنفذ إسرائيل تحركات عسكرية وهندسية متسارعة ضمن مشروع أمني جديد يعرف بـ”صوفا 53″، تتسلل به إسرائيل نحو العمق السوري بهدوء مدروس، وسط صمت دولي مطبق.
وتتحدث قرى مثل جباتا الخشب، الحميدية، وأم العظام، عن حصار تدريجي يفرضه الواقع الجديد، حيث تتحول الطرق الترابية إلى متاريس، والحقول إلى مناطق عسكرية مغلقة، والغابات إلى أرض محروقة. ويعبّر الأهالي عن خشيتهم من تحوّل قراهم إلى جيوب معزولة، تحت ذريعة “تأمين الحدود”.
اقرأ أيضاً: القنيطرة.. آليات عسكرية إسرائيلية تتجمّع قرب مبنى المحافظة – 963+
طريق “صوفا 53”: مشروع عسكري بثوب هندسي
يرصد مراسل “963+” في الجنوب السوري تفاصيل مشروع “صوفا 53″، الذي بدأ تنفيذه منذ أواخر عام 2024 بعد سقوط نظام بشار الأسد، مستغلًا لحظة فراغ سياسي وأمني حساسة في البلاد.
ويمتد هذا المشروع العسكري بمحاذاة خط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل، ويشق طريقه عميقاً داخل الأراضي السورية، من ريف القنيطرة الشمالي حتى تخوم الحدود الأردنية.
المخطط يتضمن إنشاء شبكة من الطرق والسواتر والخنادق العسكرية، تبدأ من قرية أم العِظام، مروراً بالحميدية وجباتا الخشب، وصولاً إلى أطراف بلدة حضر، بهدف فصل هذه المناطق عن بعضها البعض وقطع الامتداد الجغرافي بين القنيطرة وريف درعا الغربي.
وفي المرحلة الثانية، يواصل المشروع امتداده من قاعدة تل الأحمر الغربية نحو الرفيد، المعلقة، صيدا الحانوت، معرية، كويا، حتى المثلث الحدودي بين سوريا – الأردن – الجولان المحتل، في مخطط يعزز الطوق العسكري حول الجنوب السوري.
تجريف حرش الشحار: اجتثاث الذاكرة الطبيعية
من بين أبرز مشاهد المشروع، رُصدت تحركات إسرائيلية لبدء تجريف واسع في حرش الشحار ومنطقة جباتا الخشب، اللذين يشكلان غطاءً نباتياً يمتد على أكثر من ألف دونم. هذه الخطوة تهدف إلى خلق “ممر أمني مكشوف”، يفصل التجمعات السكنية ويمنح إسرائيل قدرة مراقبة ميدانية واسعة.
ويقول محمد مريود، أحد وجهاء جباتا الخشب، في تصريح لـ”963+”: “الاحتلال لا يريد فقط الأرض، بل يريد اقتلاع الذاكرة. حرش الشحار هو نبض الطبيعة هنا، وتجريفه يعني خنق آخر معالم الحياة. ما نراه هو بناء جدار عنصري بنكهة عسكرية”.
بدورهم، أطلق الأهالي نداءات استغاثة عبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية، مطالبين الأمم المتحدة بالتدخل لحماية هذه المساحات الطبيعية من الزوال القسري.
اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يهدم 15 منزلاً بريف القنيطرة جنوب غربي سوريا – 963+
عزلة قسرية وخلخلة اقتصادية
مختار قرية أم العظام، ياسين الحمد، كشف لـ”963+” أن آليات الاحتلال تعمل منذ أكثر من شهرين على رفع سواتر ترابية تفصل القرى عن بعضها، مثل كودنة، القحطانية، الحميدية، جباتا الخشب، قرص النفل، وحتى حضر.
ويضيف: “البلدات باتت تعيش شبه حصار جغرافي، والحياة اليومية تتعطل. لم تعد الحركة بين القرى سهلة، ما يربك اقتصاد الأهالي ويعمق الشعور بالعزلة”.
وفي تطور لافت، أقدمت إسرائيل على إغلاق الطريق بين مدينة السلام وقرية الحميدية عبر حاجز حديدي مقفل، دون سابق إنذار، مما تسبب بشلل في حركة التنقل، حيث كان هذا الطريق شريانًا يربط تجمعات سكنية رئيسية.
قواعد إسرائيلية… وظل أممي صامت
منذ أواخر 2024، تسارعت وتيرة بناء قواعد إسرائيلية جديدة داخل الأراضي السورية، وسط غياب أي موقف دولي رافض. ويؤكد مراسل “963+” أن كل موقع إسرائيلي مستحدث يُقابَل بموقع قريب لقوات “الأندوف”، التي تكتفي بالمراقبة دون تدخل.
وفي هذا السياق، قال الشيخ جودت الطويل، مختار بلدة حضر، وأحد وجهاء الطائفة الدرزية، لـ”963+”: “ما يجري هو احتلال ناعم. نحن، أبناء حضر، لن نغادر أرضنا، وهويتنا سورية حتى النخاع. التحصينات لن تُغير من انتمائنا، وسنبقى جزءًا من الدولة السورية مهما كان الثمن”.
اقرأ أيضاً: القنيطرة.. احتراق أراضٍ بعد تصدي الدفاعات الإسرائيلية لصواريخ إيرانية – 963+
توسع ناعم بعقيدة هجومية
العقيد والخبير العسكري أكرم أبو ميجنا، وفي تصريحات لـ”963+”، يؤكد أن مشروع “صوفا 53” يأتي ضمن تحول نوعي في العقيدة الدفاعية الإسرائيلية، التي باتت تقوم على الهجوم الوقائي لا الدفاع الثابت.
ويضيف: “التحصينات ليست خطوط صد، بل أدوات لتوسيع السيطرة بهدوء، وترسيخ حدود جديدة داخل العمق السوري. المشروع ينفذ تحت أعين قوات ‘الأندوف’ التي تحولت من مراقب إلى غطاء ميداني للصمت”.
ويرى أبو ميجنا أن الهدف من تجريف الأحراش وقطع الطرق هو “تفريغ ديموغرافي للمنطقة، دون حاجة إلى اشتباك مباشر”، معتبراً أن المشروع خرق صارخ لاتفاق فك الاشتباك الموقع عام 1974.
ويحذر من أن وصول المشروع إلى حوض اليرموك “سيعني عزل الجنوب السوري عن الجولان والأردن، وإدخال المنطقة في قبضة أمنية إسرائيلية مباشرة”.
وعن احتمالات الرد، يقول: “بصراحة، لا دمشق الرسمية قادرة على الرد، ولا الحلفاء راغبون أو مستعدون. الردع المؤجل لا يوقف جرافة تتحرك اليوم”.
نحو سيناريو تهجير ناعم؟
وسط هذه التطورات، يشعر السكان بأنهم أمام سيناريو تهجير ناعم يُفرض عليهم دون قرار رسمي، حيث تُمحى الطرق، وتُجتث الأشجار، وتُحول أراضيهم إلى منطقة أمنية إسرائيلية بحكم الواقع.
إن مشروع “صوفا 53” ليس مجرد طريق عسكري، بل خارطة جديدة تُرسم ببطء وثبات، على أنقاض الجغرافيا السورية، ووسط تواطؤ عالمي يشي بأن الحدود لم تعد تُرسم بالاتفاقات، بل بالجرافات.










