قبل سقوط نظام الأسد، صنف “مؤشر غلوبال فاير باور” جيشه في المرتبة السابعة عربياً، والمرتبة 64 عالمياً، على الرغم من تورطه في النزاع منذ عام 2011. عند البحث فعلياً في هذا الأمر، يبدو التصنيف واهياً، إذ بلغت خسائر قوات النظام السابق البشرية نحو 45385 قتيلاً، بحسب إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان، إضافة إلى 29943 قتيلاً بين عناصر القوات الرديفة، من جيش الدفاع الوطني وكتائب البعث واللجان الشعبية.
في أي حال، عسكرياً، تتجلى الاختلافات الجوهرية بين القوة العسكرية المشروعة وممارسات البطش في الصراعات المعاصرة بشكل واضح عند دراسة النموذج السوري. فبينما تُبنى القوة العسكرية على منظومة قيمية وأخلاقية تستهدف حماية الوطن والمواطن، يتمحور البطش حول استخدام مفرط وعشوائي للقوة العسكرية ضد المدنيين لغايات قمعية.
في سياقها المشروع، القوة العسكرية هي ببساطة قدرة الدولة على توظيف إمكاناتها العسكرية لتحقيق أهداف استراتيجية تخدم المصلحة الوطنية، وتلتزم قواعد الاشتباك الدولية، وتحترم القانون الإنساني الدولي. تتكئ هذه القوة إلى مؤشرات محددة: عديد الجيش وعدته، وعقيدته العسكرية، ومفاعيل تدريبه. تخضع هذه المؤشرات فعلياً لمنظومة قيادة وسيطرة مُحكمة، تخضع بدورها لقانون واضح وصارم، يضع في رأس أولوياته احترام قواعد الحرب المتعارف عليها دولياً، والتمييز بين المقاتل والمدني، والتزام بمبادئ النسبة والتناسب في استخدام القوة والضرورة العسكرية. إنها الأسس الأخلاقية لاستخدام القوة العسكرية.
اقرأ أيضاً: واشنطن: وافقنا على انضمام المقاتلين الأجانب إلى الجيش السوري – 963+
في المقابل، البطش نمط مختلف من استخدام القوة، يتجاوز المنطق العسكري إلى المنطق القمعي، فليس هدفه تحقيق أهداف عسكرية محددة بقدر ما هو السعي إلى نشر الرعب بين المدنيين وإخضاعهم، في غياب أي تمييز بين مدني ومقاتل، وباستخدام وسائل عقابية جماعية تنتهك أدنى معايير لحقوق الإنسان.
ويتجلى البطش أيضاً في استخدام وسائل قتالية محرمة دولياً، واستهداف متعمد للبنى التحتية المدنية كالمستشفيات والمدارس والأسواق، وممارسة التعذيب المنهجي، والاعتقال العشوائي، والتهجير القسري للسكان، إضافة إلى استخدام مفرط للقوة، لا يتناسب مع التهديدات المحتملة، وغياب المساءلة والمحاسبة.
منذ عام 2011، يقدم النموذج السوري مثالاً واضحاً على الدمج العبثي بين القوة العسكرية والبطش. تحول جيش النظام السوري السابق من مؤسسة عسكرية مسؤولة عن حماية المواطن إلى أداة لقتل المواطن بكل ما أوتيت من عدة: أسلحة ثقيلة وسلاح جو وبراميل متفجرة وأسلحة كيماوية وحصار خانق وتدمير منهجي للحياة البشرية.
تجاوزت ممارسات نظام الأسد منطق القوة العسكرية، فلم تكن موجهة ضد أهداف عسكرية محددة رغم وجودها بكثرة بعد عسكرة الثورة المدنية واستعار النزاع المسلح، بل كان الهدف منها ترهيب المجتمع المدني السوري وإخضاعه. ساهمت الممارسات الحربية القاسية في تدمير بنية البلاد التحتية، وتشريد ملايين السوريين داخلياً وخارجياً، وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية في سوريا.
اقرأ أيضاً: الدفاع السورية تعلن تعزيز انتشار القوات الحكومية في دمشق – 963+
تتجلى العواقب الإنسانية لسياسة البطش في أرقام مروعة: مئات الآلاف من الضحايا المدنيين، وملايين اللاجئين والنازحين، ومدن بأكملها دمرت عن بكرة أبيها. لكن التداعيات تتجاوز الخسائر المادية والبشرية المباشرة لتشمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، كانتشار صدمات الحرب، وتفكك النسيج المجتمعي، وترسيخ ثقافة الخوف والانتقام. يكمن الفرق الجوهري بين القوة العسكرية والبطش في الغاية والوسيلة معاً. فبينما تهدف القوة العسكرية المشروعة إلى تحقيق أهداف استراتيجية محددة باستخدام وسائل متناسبة وقانونية، يسعى البطش إلى الترهيب والإخضاع عبر وسائل غير متناسبة وغير قانونية.
يقدم النموذج السوري درساً قاسياً حول كيفية تحول مؤسسة عسكرية من أداة لحماية الوطن إلى أداة لقمع المواطنين. هذا التحول يؤكد أهمية المساءلة والرقابة على المؤسسات العسكرية، وضرورة تعزيز ثقافة احترام القانون الدولي الإنساني، وترسيخ مبدأ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة. ويبقى الدرس الأهم أن القوة العسكرية الحقيقية لا تُقاس بالإمكانات والمعدات وحدها، بل بالقيم والمبادئ التي توجه استخدامها، وبالتزام حماية الإنسان.










