تذهب التحركات الاقتصادية الأخيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة صوب توجّه واضح نحو الاستثمار في سوريا، بوصفه جانباً من مقاربة استراتيجية تضم الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية. ويكشف هذا التوجه، بحسب خبراء، عن سعي أبو ظبي إلى تعزيز حضورها الإقليمي من خلال أدواتها المالية، وفي مقدمتها الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار والموانئ الحيوية.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور إلى دمشق، كخطوة ذات دلالة، إذ أعلنت مجموعة الحبتور الاستثمارية، في بيان رسمي، عن أن مؤسسها، خلف بن أحمد الحبتور، يعتزم زيارة سوريا على رأس وفد لاستكشاف فرص التعاون مع الحكومة السورية، وبحث إمكانات الاستثمار في مختلف القطاعات.
وقال الحبتور في البيان: “سوريا بلد غني بثقافته وتاريخه وشعبه المتمكّن. نؤمن بإمكاناته المستقبلية، ونرغب في أن نكون جزءاً من نهضته من خلال مشاريع نوعية تخلق فرص عمل”، مضيفاً: “ننظر إلى سوريا بثقة كبيرة، ونؤمن بأن شعبها يمتلك من الطاقات والقدرات ما يؤهله لصناعة مستقبل قوي”.
اقرأ أيضاً: موسكو: إلغاء اتفاقية العمل بميناء طرطوس كان من جانب واحد – 963+
استثمار إماراتي
وتعكس هذه التصريحات، إلى جانب المشاريع المتفق عليها مع الحكومة السورية الجديدة، توجهاً إماراتياً نحو الانخراط المباشر في مشاريع إعادة إعمار سوريا. فبينما تعمل أبو ظبي على توسيع استثماراتها في ممرات التجارة العالمية، تبرز سوريا — سيما ميناء طرطوس — كنقطة ارتكاز لوجستية محورية على ساحل البحر المتوسط.
في المقابل، ترى دمشق في هذه الاستثمارات فرصة لاستعادة ثقة رؤوس الأموال العربية والدولية، وبناء بيئة اقتصادية قادرة على جذب الشركات وتعويض جزء من الخسائر التي خلفتها سنوات الحرب.
لذا، لا يمكن النظر إلى هذه الاستثمارات كجزء من مشاريع اقتصادية واستثمارية فقط، بل ينبغي اعتبارها أداة استراتيجية ضمن معادلات المنافسة داخل دوائر السياسة الإقليمية والدولية.
وكانت قد أعلنت مجموعة “موانئ دبي العالمية” — إحدى أكبر شركات تشغيل الموانئ في العالم — عن توقيع اتفاقية مع الحكومة السورية بقيمة 800 مليون دولار، لتطوير وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء طرطوس، أحد أهم الموانئ الاستراتيجية على الساحل السوري.
وتشمل الاتفاقية إعادة تأهيل وتحديث البنية التحتية للميناء، وتوسيعه ليصبح مركزاً لوجستياً إقليمياً يربط شرق المتوسط بالخليج العربي وأسواق آسيا.
ويرى حسن الشاغل، الباحث في العلاقات الدولية، أن الإمارات تُعد حالياً الدولة الوحيدة في المنطقة، وخاصة بين الدول العربية، القادرة على تطوير ميناء طرطوس.
وفي حديثه لـ”963+”، يوضح الشاغل أن الإمارات باتت تمتلك خبرة واسعة وعميقة في مجال تطوير الموانئ، مشيراً إلى أن شركة “موانئ دبي العالمية” أصبحت من أبرز الشركات العالمية في هذا القطاع، حيث تستثمر حالياً في نحو مائة ميناء حول العالم، ما يجعلها الأجدر بقيادة مشاريع تطوير الموانئ في سوريا.
اقرأ أيضاً: زيارة بوغدانوف وإلغاء اتفاقية مرفأ طرطوس.. ماهي صفحة موسكو الجديدة بسوريا؟ – 963+
ميناء طرطوس
ويضيف أن الإمارات تحركت بفعالية كبيرة للاستثمار في ميناء طرطوس، نظراً لأهميته الاستراتيجية على خطوط التجارة الدولية، ولما يتمتع به من جدوى اقتصادية عالية، خاصة في حال تم ربطه بشبكات التجارة العالمية الجاري إنشاؤها أو التخطيط لها.
ويبيّن الشاغل أن هذا التوجه يأتي في سياق اهتمام إماراتي بمسارين استثماريين متوازيين؛ أولهما مشروع “طريق الحرير”، الذي تُعد الإمارات جزءاً أساسياً منه، ويمنحها فرصاً واعدة عبر ميناء طرطوس؛ والثاني هو مشروع “الطريق الهندي – الشرق المتوسطي”.
ويؤكد الباحث في العلاقات الدولية أن الاستثمار في هذا الميناء يعكس سعي الإمارات لترسيخ وجودها في شرق المتوسط، ما يعزز مكانتها الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة، عبر بوابة سوريا.
وفي ما يتعلق بفرص الاستثمار في سوريا، ينوّه الشاغل إلى وجود نقطتين أساسيتين: “أولاً: إعادة الإعمار، حيث يرى أن الشركات الإماراتية تُعد من بين الأفضل في منطقة الشرق الأوسط، وتأتي في المرتبة الثانية بعد بعض الشركات التركية من حيث سرعة التنفيذ والجاهزية. وثانياً: أن الحكومة السورية كانت قد ألغت عقداً سابقاً مع الجانب الروسي، مما فتح المجال أمام الإمارات لملء هذا الفراغ. ويعتقد أن الخطوة الإماراتية لا تأتي في إطار مزاحمة روسيا، بل في إطار تكامل الأدوار”.
اقرأ أيضاً: مباحثات سورية ـ سعودية لتعزيز الاستثمارات الثنائية وفرص جديدة للتنمية – 963+
توازنات جديدة
وحول طبيعة العلاقة بين موسكو وأبو ظبي، يوضح الشاغل أن العلاقات الروسية – الإماراتية تتسم بـ”التوازن والمرونة”، مشيراً إلى أن الإمارات، في ظل التوترات بين روسيا من جهة، ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من جهة أخرى، “نجحت في الحفاظ على موقف محايد، ما مكّنها من حماية مصالحها دون الانجرار إلى محاور الصراع”.
ويشير إلى أن دمشق “يمكن أن تجني فوائد كبيرة من هذه الاستثمارات، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي”.
من جانبه، يوضح رضوان الدبس، الخبير الاقتصادي، أن اتفاقية تطوير ميناء طرطوس بين مجموعة “موانئ دبي العالمية” والحكومة السورية “تُشكل نموذجاً جديداً للتداخل بين الاقتصاد السياسي والاستثمار اللوجستي في بيئات غير واضحة، مثل ما بعد الصراع أو الانهيارات البنيوية السياسية أو الاقتصادية”.
ويشير الدبس في حديثه لـ”963+” إلى أن “للاتفاقية تأثيرات اقتصادية متعددة، خاصة على مستوى تحسين البنية التحتية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للميناء لاستيعاب حاويات وسفن وناقلات أكبر، مما يدعم حركة التجارة ويُقلل تكاليف الشحن، وكذلك زيادة إيرادات الدولة، خاصة من العملات الأجنبية، حيث يُتوقع تحويل الأرباح الناتجة عن إدارة مرفأ طرطوس إلى خزينة الحكومة بعد إنهاء الاتفاق مع الشركة الروسية، مما يضيف موارد إضافية للموازنة العامة، ويُسهم في دعم الاستثمار الحكومي وتحسين الخدمات العامة”.
كما تخلق، بحسب الدبس، “فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلي، حيث يتطلب تنفيذ المشروع آلاف العمال والفنيين في مراحل البناء والتشغيل، مما يُنشط قطاعات البناء والخدمات والنقل”.
كما يلفت الدبس إلى أن للاتفاقية “تداعيات على نفوذ القوى الإقليمية والعالمية، من أبرزها: إنهاء الشراكة مع شركة “ستروي ترانس غاز” الروسية بعد سنوات من التعاقد، يُعد تفكيكاً للنفوذ الروسي، ويُعكس تراجعاً في الحضور الاقتصادي الروسي بشرق البحر المتوسط. أما الوجود العسكري في قاعدة طرطوس، فهو منفصل عن المسار الاقتصادي، وهناك ترتيبات مقبلة لتحديد أطر عمل هذه القاعدة في المرحلة القادمة”.
كما تسهم الاتفاقية بـ”فتح المجال أمام لاعبين دوليين وإقليميين جدد، مما يُعزز الموقف السوري عبر توسيع خيارات التعاون الاقتصادي والسياسي. فمع تراجع روسيا، ظهرت قوى أخرى، مثل الإمارات عبر “موانئ دبي”، وفرنسا من خلال توقيع عقد مع شركة CMA CGM لتحديث ميناء اللاذقية، إضافة إلى تركيا ذات المصالح اللوجستية والتمويلية في سوريا”، وفقاً لـ الدبس.
وتخلق الاتفاقية “تحالفات وتوازنات متعددة، حيث يُعزز المشروع موقع سوريا ضمن شبكات اقتصادية متنوعة (الإمارات، تركيا، فرنسا، وربما الصين)، ما يُسهم في زيادة التنافسية وتعزيز دور البلاد في التبادل الإقليمي”.
ويشدد الدبس على أنه، “رغم المزايا المتوقعة، لا يخلو أي اتفاق من مخاطر وسلبيات محتملة، منها: تصادم المصالح بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع مصالح أطراف مثل روسيا، والصين، وفرنسا، وتركيا ضمن بنية تحتية واحدة، ما قد يُفضي إلى نزاعات حول أولوية النفوذ إذا لم تُنسق الأمور بشكل دقيق، واحتمالات عدم الاستقرار المحلي، نتيجة توزيع العقود بحسب النفوذ الجغرافي (اللاذقية لفرنسا، طرطوس للإمارات، إدلب لتركيا)، مما قد يُعزز الانقسام الاقتصادي والسياسي بين مناطق السيطرة، ويُعيق توحيد الاقتصاد الوطني”.
ويؤكد الخبير الاقتصادي، على أن اتفاقية تطوير ميناء طرطوس تُعد “تحولاً نوعياً في موقع سوريا الاقتصادي ضمن شبكة التجارة الإقليمية والدولية، وتبشر بفرص واعدة للنمو والاستثمار. غير أن نجاحها يبقى مشروطاً بإدارة فعّالة، واستقرار سياسي، وتوازن دقيق في العلاقات مع القوى المتدخلة في المشهد الاقتصادي السوري عبر ثلاثة مستويات محلياً وإقليمياً ودولياً”.










