دخل الاقتصاد السوري مرحلة جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، إثر سنوات من التدهور والعزلة والغياب الكلي للتعافي والاستثمارات وتدهور العملة المحلية، لاسيما مع الإعلان قبل أسابيع عن رفع العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على البلاد، وبدء عمليات استثمار في جميع المجالات كان أضخمها في قطاع الطاقة، والذي بلغ أكثر من 7 مليارات دولار.
اتفاقيات ضخمة
في 29 أيار/ مايو الماضي، وقعت وزارة الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية مع شركات قطرية وتركية وأميركية، اتفاقية لتعزيز الاستثمار الدولي في قطاع الطاقة، شملت تطوير أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية تعمل بالدورة المركبة “CCGT” في محافظة دير الزور، ومحردة وزيزون بريف محافظة حماة، وتريفاوي بريف حمص.
وجرى توقع الاتفاقية مع شركات “يو سي سي القابضة” و “أورباكون” القطريتين و”كاليون جي إي إس إنرجي ياتيريملاري” و”جنكيز إنرجي” التركيتين، و”باور إنترناشونال يو إس إيه” الأميركية، على أن تبلغ سعة التوليد الإجمالية للمحطات الأربع التي يجري تطويرها حوالي 4000 ميغاواط، باستخدام تقنيات أميركية وأوروبية، إلى جانب محطة طاقة شمسية بسعة 1000 ميغاواط في منطقة وديان الربيع جنوبي العاصمة دمشق.
وقال وزير الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية محمد البشير في كلمة بعد توقيع الاتفاقية، إن قيمة الاستثمار الإجمالية لها بلغت 7 مليارات دولار أميركي، وستسهم في توليد 5 آلاف ميغا واط، معتبراً أن ذلك يساهم في زيادة عدد ساعات التغذية الكهربائية وينعكس إيجاباً على جميع مناحي الحياة في سوريا، فيما أكد الرئيس التنفيذي لشركة “أورباكون القابضة” رامز الخياط، أن الشركات الموقعة على الاتفاقية ستستخدم أحدث التجهيزات في مجال الطاقة، وأن المشروعات المطروحة ستوفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة عمل غير مباشرة.
وحول تفاصيل الاتفاقية، نقلت قناة “الإخبارية“ السورية عن مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء في سوريا خالد أبو دي، أنها تشمل نوعين من التوليد، الأول شمسي ويحتاج إلى فترة زمنية تصل إلى نحو عامين لبناء المنظومات التي ستدخل إلى الشبكة بشكل تدريجي، والثاني أحفوري ويتمثل في بناء محطة لتوليد الكهرباء، ويحتاج إلى 3 إلى 4 سنوات لبدء التوليد.
وبشأن الاستطاعة التي تغطيها الاتفاقية، أشار أبو دي، إلى أن “كامل الكمية التي يمكن توليدها مع الانتهاء من تنفيذ بنود الاتفاقية تصل إلى 9120 ميغا واط، وهي قادرة على تغطية احتياجات سوريا من الكهرباء بمعدل يصل إلى 85 في المئة، وأن الوقت المتوقع لعودة التيار بقوة بين 3 إلى 5 سنوات”، مبيناً أن “خطة العمل تعتمد على توفر الوقود لإنتاج الكهرباء، وهذا ما تعمل عليه وزارة الطاقة من خلال توريدات جديدة أو تفعيل محطات إنتاج النفط”.
اقرأ أيضاً: إعادة إعمار سوريا.. من يقرر؟
انعكاسات الاتفاقيات الجديدة
الأكاديمي ومستشار الاقتصاد الدكتور زياد عربش المقيم في دمشق، يقول إنه “قبل سنوات كانت الطاقة المركبة في سوريا بحدود 8900 ميغاواط، لكن فعلياً كان متاح فقط بحدود 7000 ميغا بكفاءات في المجمل هي متدنية كفاقد من الاستهلاك الذاتي، أما الآن فتوقيع اتفاقية لتوليد 5 آلاف ميغا واط، يعني مضاعفة الإنتاج بكفاءة عالمية كون الشركات المطورة هي بالأصل مندمجة بأحدث تكنولوجيات الإنتاج”.
يشير عربش خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “الأمر يتطلب إعادة تأهيل الشبكات وتركيب تجهيزات عديدة في أماكن المحطات الجديدة ومزاوجتها مع المحطات الحالية كشبكة متكاملة، ومكثفات ومحولات وخطوط نقل مختلفة التوترات، إلى جانب تجمعات الاستهلاك الصناعي والسكني، وعندها يمكن أن تكون سوريا قد ودّعت مسألة انقطاع التيار الكهربائي”.
من جانبه، يرى الباحث المتخصص في العلاقات الدولية بمنطقة البحر المتوسط يوسف لهلالي، أن “الاتفاقية التي وقعتها سوريا بمجال الطاقة مؤخراً ستكون لها انعكاسات جداً إيجابية، على اعتبار أن الطاقة هي أساس الاقتصاد، حيث أنها متواجدة في وسائل النقل والإنتاج وفي جميع المجالات”.
ويؤكد في تصريحات لـ”963+”، أن “الاقتصاد السوري عانى من التدهور والحصار وكان هناك ندرة في عدد كبير من المواد الأولية، لذلك هذه الاتفاقيات وهذا الانفتاح سيكون له انعكاس وسيسرّع من تعافي هذا الاقتصاد، وعليه فإنها ستعكس على حياة المواطن السوري الذي هو إما عامل أو مقاول أو موظف أو صاحب مشروع اقتصادي”.
وعلى الرغم من عدم صدور أي إعلانات رسمية عن عقود كبرى في مجال النفط والغاز في سوريا حتى نهاية أيار/ مايو الماضي، رغم رفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن البلاد، إلا أن تقارير إعلامية تحدثت عن توجه شركات من دول كبرى بينها الولايات المتحدة للاستثمار في هذين القطاعين خلال السنوات القادمة.
اقرأ أيضاً: وزير الطاقة السوري يبحث مع شركة أميركية فرص استثمار الغاز الطبيعي
اتفاقية متوقعة مع الولايات المتحدة
وأفادت شبكة “سي إن بي سي” الأميركية في 27 مايو الماضي، أن سوريا والولايات المتحدة تناقشان خطة لتطوير قطاع الطاقة في سوريا، ونقلت الشبكة عن الرئيس التنفيذي لشركة “أرغنت” الأميركية للغاز الطبيعي المسال جوناثان باس، أن الخطة الاستراتيجية المؤلفة من خمس مراحل تتضمن إطلاق شركة “” SyriUS Energy كمشروع سوري – أميركي لإعادة بناء قطاع النفط والغاز بمشاركة شركات كبرى.
وتركز المرحلة الأولى على إعادة فرض الأمن وإجراء تقييم شامل للبنية التحتية، بدءاً بتأمين الحقوق النفطية الأساسية مثل “العمر” و “التنك” وحقول الحسكة، ووضع خطة للحقول الأخرى، فيما تعنى المرحلة الثانية بتحقيق الاستقرار في الإمدادات المحلية عبر إعادة تأهيل مصفاتي حمص وبانياس، وشبكات الأنابيب الرئيسية، مع العمل على توسيع الوصول إلى الغاز الطبيعي للاستخدامات المنزلية والطاقة بشكل متكامل ومستدام.
أما المرحلة الثالثة فتشمل تطوير كيان مدرج في بورصة نيويورك أو ناسداك، يمتلك ويدير الأصول، بهدف تعزيز أو إنشاء شراكات بين القطاعين العام والخاص، وضمان الاستثمار بشكل آمن وجذاب، وإنشاء شركة وطنية سورية جديدة للنفط تحت اسم SyriUS Energy، مع جذب وتنسيق الخبرات الفنية الأجنبية بما يتماشى مع المصالح الوطنية السورية، كما تتضمن هذه المرحلة تصميم عقود خدمات المخاطر وتقاسم الإنتاج مع الدول الحليفة، من خلال شركات النفط الأميركية الكبرى في هيوستن مثل “إكسون وشيفرون وكونوكو فيليبس، إكسيليريت وتوتال إنيرجي وشل” وغيرها.
وتتضمن المرحلة الرابعة آليات الحوكمة والشفافية، من خلال إنشاء كيان مدرج في البورصة الأميركية، يمتلك صندوق سيادي خاص للطاقة في سوريا نسبة 30% من أسهمه، لإدارة وتوزيع عائدات النفط بشفافية وثقة، مما يوفر الشفافية للكيانات العامة الأجنبية، فيما تشمل المرحلة الخامسة الاستعداد للتصدير والتكامل الإقليمي في مجال الطاقة، ذلك من خلال الصادرات القانونية والمرحلية عبر العراق وإسرائيل أو الموانئ الساحلية المُعاد تأهيلها. إضافة إلى ذلك، التكامل مع الدول المجاورة في البنية التحتية للطاقة، مثل شبكات الكهرباء المشتركة، وخطوط أنابيب الغاز والنفط، كأداة لتعزيز الديبلوماسية الاقتصادية.
وبحسب عربش، فإن “هناك مسألتان جوهريتان تتعلقان باتفاقية الطاقة الموقعة بين سوريا والشركات القطرية والأميركية والتركية، تتعلق بالجهات التي ستتحمل قيمة العقود التي قد تصل إلى 25 مليار دولار، إلى جانب ثمن الفيول اللازم للتشغيل، والذي سيكون أكثر من 50 مليون دولار شهرياً، إلا في حال كانت حصة الطاقة الشمسية كبيرة”.
وأواخر شباط/ فبراير الماضي، أصدر الاتحاد الأوروبي، قانوناً جديداً يسمح للشركات الأوروبية بالتنقيب عن النفط والغاز وتوليد الكهرباء في سوريا، وقال التكتل في بيان حينها، إن القانون الجديد يفتح المجال أمام الشركات الأوروبية المشاركة في البحث عن مصادر الطاقة في سوريا.
وأوضح البيان، أنه بات بإمكان الشركات الأوروبية البحث عن شركاء سوريين وبدء التعاون المشترك للتنقيب عن النفط والغاز وبناء محطات الطاقة الكهربائية، مشيراً إلى أن القانون يسمح للشركات المنقبة عن النفط والغاز في سوريا، تصديره وتسويقه في دول الاتحاد دون التعرض لأي عراقيل قانونية أو اقتصادية.
وكشفت تقارير اقتصادية، أن قطاع النفط في سوريا شهد تراجعاً حاداً منذ اندلاع الأزمة عام 2011 حيث انخفض إنتاج النفط اليومي من 385 ألف برميل في عام 2010 إلى نحو 110 آلاف برميل بالوقت الحالي، مشيرةً إلى أن الحقول الواقعة بمناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية (قسد) تنتج نحو 100 ألف برميل يومياً، بينما تقتصر مساهمة الحقول الواقعة بمناطق سيطرة الحكومة السورية على نحو 10 آلاف برميل فقط.
وانخفض إنتاج الغاز الطبيعي من 30 مليون متر مكعب يومياً في عام 2010 إلى 9.1 مليون متر مكعب يومياً في الوقت الراهن، وتنتج الحكومة السورية الجديدة حالياً نحو 8 ملايين متر مكعب، في حين تنتج الحقول الواقعة بمناطق “قسد” نحو 1.1 مليون متر مكعب يومياً.
ووفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية “EIA” الصادرة عام 2015، تملك سوريا احتياطيات مؤكدة من النفط تقدر بنحو 2.5 مليار برميل، في حين تقدّر احتياطات الغاز الطبيعي بنحو 240 مليار متر مكعب.










