تسعى الحكومة السورية إلى تحفيز عملية إعادة الإعمار عبر جذب رؤوس الأموال، مستفيدة من التحسن النسبي في الوضع الأمني وتقديم حوافز تشمل تسهيلات ضريبية وتبسيط إجراءات التملك للمستثمرين المحليين والأجانب. ويبرز القطاع العقاري كأحد أبرز مجالات الاستثمار، خاصة في دمشق ومحيطها ومدن كحلب واللاذقية وحمص، في ظل الحاجة لبناء منشآت سكنية وسياحية وخدمية. ومع توقعات بعودة شريحة من المغتربين السوريين، تتزايد فرص استثمار أوسع في قطاعات أخرى كـالطاقة والزراعة، ما يجعل سوريا وجهة واعدة رغم ما خلّفته سنوات الحرب من دمار واسع في البنية التحتية.
العقارات.. محفز الاقتصاد
يقول منير برازي، مستشار مالي واقتصادي في شركة برازي للاستشارات الإدارية والمالية، يقيم في النرويج، لـ”963+”، إن الاستثمار في العقارات يوفر تدفقاً من رؤوس الأموال تحتاج له البلد في الوقت الراهن، وهو يحفز العديد من القطاعات وخاصة قطاعات البناء والطاقة.
ويضيف أن القطاع الاستثماري يوفر العديد من فرص العمل في هذه القطاعات التي يحفزها، وطبعاً هناك الاستثمار في العقارات السكنية والتجارية والسياحية ولكل فئة أثر على تحفيز الاقتصاد، وخاصة من خلال فرص العمل، حيث أن هذه الرواتب ستؤدي لزيادة الطلب الفعال، وتحريك عجلة الاقتصاد.
وبشكل عام يمكن أن يؤدي الاستثمار في هذا القطاع إلى النمو في الناتج المحلي الاجمالي، وحالياً نظراً لانخفاض النشاط الاقتصادي بشكل كبير فمن المتوقع أن نرى معدلات نمو مرتفعة نظراً لانخفاض نقطة الانطلاق أو نقطة الأساس، فمثلاً كانت معدلات النمو مبهرة في العديد من الاقتصادات بعد صدمة “كوفيد19″، بحسب برازي.
ويوضح أن هذه المعدلات تعكس التعافي، وكذلك الاقتصاد السوري من المتوقع أن يشهد تعافياً الآن ليعود بعدها إلى النمو الطبيعي، ولكن تبقى هناك أمور يجب الاتفاق لها مثل سعر الصرف الذي قد يعتبر مصدر مخاطرة ما لم يستقر ويبدو أن الحكومة تعمل على هذا المسار.
اقرأ أيضاً: المنحة المالية القطرية.. بداية دعم إيجابي لاقتصاد سوريا أم حالة استثنائية؟
ويتابع أن الأثر الايجابي للاستثمار في العقارات يعتمد على الاعتماد على المنتجين المحللين واليد العاملة المحلية، ومن المتوقع أن ينعش صناعة الاسمنت في حال تم الاعتماد على الانتاج المحلي، والعمالة المحلية، و كذلك بناء أو تجديد المنشآت السياحية يعزز الايرادات من القطع الاجنبي الذي تحتاج له البلاد حالياً.
ويلفت إلى أن عجلة النفع في النهاية ستعود بالنفع أولاً على أصحاب الاستثمارات ورؤوس الأموال، و من ثم على المواطن السوري باعتبار هذه الاستثمارات كتلة نقدية اضافية، ولهذا فإن توزيع المنافع لن يكون متساوياً وإنما يتفاوت حسب عوامل متنوعة، ولهذا لا بد من الاهتمام بقوانين العمل وحقوق العمال والنقابات لمنع الاستغلال من قبل أصحاب رؤوس الأموال وضمان حقوق الجميع.
يقول مهدى عفيفي، باحث ومحلل سياسي واقتصادي، يقيم في الولايات المتحدة، لـ”963+”، إن الاستثمارات العقارية من أكثر الاستثمارات أمناً في قطاع الاستثمار سواءً في سوريا أو أي بلد في العالم، وهو ما يشجع المستثمرين على الدخول في هذا القطاع.
ويضيف أن قطاع الاستثمار العقاري يفيد اليد العاملة والصناعات المغذية له أيضاً، مثل؛ الحديد والإسمنت، والدهانات والأخشاب، لذا يعتبر من أهم القطاعات التي تنمي الاقتصاد بشكل كبير.
ويشير إلى أن قطاع الاستثمار العقاري يوفر الكثير من فرص العمل سواء في البناء أو غيرها من المجالات التي تغذيه، فقد يفر فرص للعاملين في مجال الكهرباء والأثناء وأعمال البناء، كما أنه ينعكس على المواطن السوري من حيث انخفاض بأسعار الإيجارات والعقارات ذات السعر المرتفع في الوقت الحالي.
اتفاقيات.. “أول الغيث”
شهدت سوريا تحولاً استثمارياً لافتاً خلال الأسابيع الأولى من رفع العقوبات الدولية في مايو 2025، حيث أُعلنت صفقات كبرى تجاوزت قيمتها الإجمالية 8.3 مليار دولار، مع توقعات باستثمارات تصل إلى 400 مليار دولار خلال السنوات القادمة. جاءت هذه الخطوات كرد فعل سريع من المستثمرين الدوليين والإقليميين لاستغلال الفرص الناشئة في اقتصاد يعيد بناء نفسه بعد 14 عاماً من الحروب والعقوبات.
في 29أيار/مايو الماضي، وقّعت وزارة الطاقة السورية مذكرة تفاهم مع تحالف شركات دولية تقوده القطرية UCC Concession (بمشاركة التركيّتين كاليون وكينجيز والـ Power International الأميركيّة) لبناء أربع محطات توليد غازية بطاقة إجمالية 4000 ميغاواط ومحطة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط، تشمل المحطات الغازية مناطق دير الزور ومحردة (ريف حماة) وزيزون (ريف حماة) وطريفاوي (ريف الرقة)، بينما تقام المحطّة الشمسية في موقع وديان الربيع (جنوب سوريا) قُدّرت قيمة هذه الصفقة بحوالي 7 مليارات دولار
وتعتبر الموانئ السورية نقطة جذب للمستثمرين، حيث وقعت الحكومة استثمار في ميناء طرطوس بقيمة 800 مليون دولار مع شركة “موانئ دبي العالمية” لتطوير البنية التحتية وزيادة الطاقة الاستيعابية للميناء بنسبة 40%. وآخر في ميناء اللاذقية بصفقة قُدرت بقيمة 262 مليون دولار مع شركة CMA CGM الفرنسية لتحديث المنظومة اللوجستية وربطها بشبكة النقل متعدد الوسائط. وتبلغ القيمة الإجمالية لاستثمارات الموانئ 1.06 مليار دولار، بما في ذلك خطط لإنشاء موانئ جافة في المنطقة الحرة السورية الأردنية بتكلفة إضافية غير مُعلنة.
اقرأ أيضاً: في سوريا… اقتصاد متقطع الأوصال جغرافياً
ورغم عدم الإعلان عن صفقات مباشرة، تشير التقارير إلى مفاوضات متقدمة مع شركات من الخليج وروسيا لاستثمار 40 مليار دولار في إعادة تأهيل الحقول النفطية، مع تركيز خاص على حقل الشاعر شرقي حمص الذي تبلغ احتياطياته 2.5 مليار برميل.
كما أعلنت وزارة النقل عن خطة خمسية بتكلفة 2.1 مليار دولار لإعادة تأهيل 1500 كم من الطرق الدولية، بالشراكة مع تحالف يضم شركات من الإمارات وتركيا، ووقعت عقود استثمار في مجالي الزراعة والصناعة بلغت نحو مليار دولار.
وأصدرت الحكومة السورية إعفاءات ضريبية لمدة 10 سنوات للمشاريع السياحية الجديدة، فيما خصصت 1.2 مليار دولار لإعادة تأهيل 75 فندقاً تاريخياً في دمشق وحلب. ووقعت اتفاقية مع تحالف سعودي-إماراتي لبناء 12 منتجعاً سياحياً على الساحل السوري باستثمارات أولية تقدر بـ 850 مليون دولار.
وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات المعلنة حتى مايو 2025 تمثل 2% فقط من الحاجة الفعلية لإعادة الإعمار، التي تقدر بـ 400 مليار دولار. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة إعلانات كبرى، منها؛ خطة لبناء مليون وحدة سكنية باستثمارات خليجية، تحديث 40 مستشفى حكومياً بتمويل أوروبي، وبناء 500 مدرسة جديدة بالشراكة مع منظمات دولية.










