“عزّ بعد فاقة”! هذا ما يصف به السوريون حالهم اليوم، وهم يسمعون في كل يوم نبأ عن استثمار عربي بمئات الملايين هنا، وباستثمار إقليمي بمليارات هناك، وثالث أوروبي، وكلها على امتداد الخريطة السورية.
وتقف سوريا اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتطلع إلى مستقبل واعد بعد عقود من التحديات والصعوبات، وتتزايد آمال الناس المرهقة من سيرة الحرب في تحقيق انفراج اقتصادي – سياسي حقيقي يعيد للبلاد مكانتها بوصفها مركزاً استثمارياً إقليمياً مهماً.
ويتزامن هذا الأمل مع توقعات بتدفق استثمارات أجنبية جديدة قد تساهم في إعادة إعمار شاملة، رغم وجود تحديات جوهرية تتطلب معالجة حكيمة ومتوازنة.
وقبل عام 2011، ساهم الاستثمار الأجنبي المباشر في الناتج المحلي الإجمالي السوري بنسبة 3.27%، مركزاً على قطاعي الاتصالات (25.98%) والوساطة المالية (17.27%)، وهما قطاعان يستطيع القطاع الخاص الأجنبي أن يؤدي دوراً محورياً في تنميتهما عندما تتوفر بيئة تشريعية ملائمة.
واليوم، الأمل معقود على قانون الاستثمار الجديد لعام 2025، ليعيد إنتاج تجربة سابقة، من خلال منح المستثمر حقاً في تملك مشاريعه كاملة، وضمان تحويل الأرباح.
ولا شك في قانون الاستثمار الجديد يعد نقلة نوعية، إذ يقدم إعفاءات ضريبية مدة 7 سنوات في المناطق الصناعية المؤهلة، وينشئ منصة إلكترونية موحدة لتسجيل الشركات سريعاً.
ولكن تطبيق الوعود بالضمانات يتخطى حدود الاقتصاد إلى الاستقرار السياسي الذي يطمئن الاقتصاد الجبان. فاستمرار وجود فصائل مسلحة مختلفة الاتجاهات والولاءات على الأراضي السورية يخلق بيئة مخاطرة عالية للمستثمرين.
وإن كان لسوريا أن تبحث فعلياً عن دروس تستفيد منها، يكفيها أن تنظر إلى لبنان. فالتجربة اللبنانية في حقبة ما بعد الحرب الأهلية، أي بين عامي 1990 و2005، تستبطن تحذيراً مهماً: لم يجدِ جذب 15 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية نفعاً ما دام الفساد الإداري قد تمكن من تبديد 60% من هذه الأموال، على ذمة البنك الدولي طبعاً.
اقرأ أيضاً: صفقات استثمارية كبرى في سوريا.. البنية التحتية أولاً – 963+
ومن ناحية أخرى، تظهر تجربة رواندا نجاحاً فعلياً، حيث ارتفعت حصة الاستثمار الأجنبي من 3 إلى 12% من الناتج بين عامي 2010 و2020 من خلال تبني معايير الشفافية الدولية.
وتحتاج سوريا فعلياً إلى 32 مليار دولار سنوياً لمدة 12 عاماً لتحقق تعافيها الشامل، وفق نموذج “خطة مارشال” الأوروبي، وتحقيق هذا الهدف يستدعي إنشاء صندوق سيادي لإدارة الاستثمارات برقابة دولية، واعتماد معايير البيئة والاجتماعية والحوكمة في المشاريع، وتصميم برامج تدريبية بالشراكة مع الجامعات الأوروبية لسد الفجوة المهنية بين مخرجات التعليم ومدخلات سوق العمل.
إن النجاح في تحقيق هذه المعادلة الصعبة يحوّل سوريا من دولة منهكة إلى مركز إقليمي للصناعات التحويلية، مستفيدةً من موقع جغرافي فريد، ومن قوة عاملة شابة تحت 30 عاماً، تشكل 65% من التعداد السكاني. وتحتاج سوريا إلى أكثر من ذلك: الوضوح في الرؤية السياسية، كي لا تضيع الفرص ويخيب الأمل.










