يحتفظ عيد الأضحى في محافظات شمال سوريا، بمكانة خاصة في قلوب الناس بوصفه مناسبة دينية واجتماعية تضيء الذاكرة، وتتجلى طقوس مميزة في كلاً من إدلب وحلب وحماة تعكس طابعها الثقافي والاجتماعي، وتُبرز صمود السكان في وجه التحديات والصعوبات الاقتصادية والمعيشية وحتى الأمنية.
وفي إدلب، تبدأ الطقوس قبل العيد بأيام، إذ تزدحم الأسواق الشعبية مثل أسواق البرج والرئيسي ومعرة مصرين بالبائعين والزبائن، ويتزايد الطلب على التوابل، خاصة الهيل والقرفة، وعلى مستلزمات تحضير الكبة والبرغل.
مع فجر يوم العيد، تقام صلاة العيد غالباً في الساحات المفتوحة، خاصة في المناطق الريفية، حيث يصطف المصلون على الأرض المفروشة بالسجاد، فيما يعلو صوت التكبير من مكبرات الصوت الموجودة في مآذن القرى.
وعن طقوس العيد في مدينتها أريحا تقول يسرى الحلاق (50عاماً) لصحيفة على “963+”، “نلبس اللباس التقليدي الثوب المطرز للنساء والكلابيات للرجال الذين يتوجهون للصلاة قبل أن نبدأ بذبح الأضاحي، وغالباً ما يشترك عدة أقارب في أضحية واحدة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية”.
ويوزع لحم الأضحية وفقاً للشرع الإسلامي على ثلاثة أقسام ثلث للفقراء وثلث للأقارب وثلث للأسرة، وتحضر النساء طبق “الكبة النية” صباح العيد بعد ذبح الأضحية مباشرة، ويقدم الطبق مع زيت الزيتون و”المحمرة”، وفقاً لما قالته يسرى الحلاق.
وتضيف، أن “سكان إدلب لا زالوا يحيون عادة سفرة العيد، وهي مائدة موسعة تضم أصنافاً محددة مثل الكبة المشوية واللبنية والرز بالشعيرية يدعى إليها الجيران والأقارب، ويتبادل فيها الجميع التحيات والدعوات”.
اقرأ أيضاً: آلاف النازحين بلا علاج في مخيمات شمالي سوريا
وفي مدينة حلب، المتميزة بعراقتها، تبدأ التحضيرات قبل العيد بأسبوع على الأقل بتزيين المحال التجارية والمنازل، وتحضير حلويات “المعمول بالعجوة والجوز”، وشراء الألبسة الجديدة من أسواق حلب مثل “سوق التلل” و”المدينة القديمة”.
وصباح العيد، يتوجه المصلون إلى الجامع الأموي أو المساجد الأخرى الموجودة في حلب، ثم تعم المدينة حركة كثيفة للمعايدات التي تعتبر إحدى تقاليدها العريقة، وتبدأ بزيارة العائلات للمقابر وقراءة الفاتحة ووضع الزهور على قبور ذويهم في لحظة تأمل قبل أن تبدأ فرحة العيد.
ويشرح محمد الزين (40عاماً) وهو من حي الأعظمية في مدينة حلب طقوس العيد الخاصة بمدينته فيقول لـ”963+”، “نحن نعد إفطاراً خاصاً بعد الصلاة يتكون من منتجات بلدية مثل الزعتر واللبنة وزيت الزيتون والبيض المسلوق، ولا تكتمل المائدة من دون الشاي بعد الإفطار، قبل أن يخرج الرجال إلى زيارة الأقارب، بينما تبدأ النساء بتحضير الغداء الكبير، وغالباً ما يكون كبسة أو تشكيلة من المحاشي التي تشتهر بها مدينة حلب”.
ويضيف الزين، “طالما أننا لازلنا نُكبر ونذبح ونتقاسم اللحم ونقبل يد والدتنا صباح العيد فنحن بخير، هذا العيد هو ما يذكرنا بأننا ما زلنا على قيد الحياة، نحب ونحتفل ونفرح رغم كل شيء”.
ومن الطقوس الفريدة في حلب عادة “الطواف باللحم”، حيث يأخذ أحد الأطفال اليافعين أو الكبار طبقاً من اللحم الطازج هدية إلى منازل الأقارب أو الجيران، وهي رسالة ود تقابل غالباً بأطباق حلوى أو مبلغ صغير للأطفال.
وفي الريف الحلبي، تتزين الساحات بعروض الأطفال، ويُقام ما يعرف ب”ميدان العيد”، حيث تُنصب الأراجيح وتُباع حلوى “الراحة” والمثلجات المصنوعة يدوياً، إن تصادف حلول العيد مع الأجواء الحارة.
اقرأ أيضاً: تراجع قيمة الليرة التركية يحرم سكاناً في إدلب من تحضيرات العيد
أما في محافظة حماة، التي تمتاز بطابع ريفي يغلب عليه الطابع الجماعي، فتبدأ الاستعدادات بعيد الأضحى بذبح الأضحية في باحات المنازل أو الساحات أمام البيوت.
وفي مناطق مثل كفرزيتا وسهل الغاب، يُعتبر صباح العيد وقتاً مقدساً يُفتتح بصلاة العيد، يليها مباشرة تحضير طبق “السودة ” أو “الكبدة”، وهي أكلة تقليدية تُطهى من أجزاء خاصة من الأضحية مع الثوم واللبن.
وأثناء شرائه لأضحية العيد هذا العام، يقول مصطفى عرفات (38 عاماً) في حديثه لـ”963+”، “نذبح قبل شروق الشمس، ونضع القِدر على النار من الصباح الباكر ويساعد الأطفال ذويهم في التنظيف، بينما النساء يغنين أهازيج شعبية عن العيد”.
ويضيف، أن الشعب الحموي يحتفل بما يُعرف ب”صباحية العيد”، حيث تجتمع العائلة الموسعة من الجد إلى أصغر الأحفاد على مائدة واحدة لتناول الفطور وتبادل الهدايا الرمزية.
ومن العادات المحببة أيضاً في حماة زيارة “الجد أو الجدة الكبرى”، والتي تُعرف محلياً باسم “ست العيلة” حيث يُقبّل الجميع يدها، وتوزع عليهم النقود أو الحلوى في طقس محمل بالاحترام والمحبة، بحسب ما قاله المعرفات.
وأشار، إلى أن الأطفال يقضون اليوم الأول من العيد في التنقل من بيت إلى آخر للحصول على “العيدية”، مرددين عبارات مثل “عِيدك مبارك” و”عقبال كل سنة”.
وعلى الرغم من الصعوبات والدمار والنزوح الذي طال هذه المحافظات الثلاث، إلا أن عيد الأضحى ما زال يحمل عبق الأرض والهوية، ويشكل لحظة تجتمع فيها العائلة حول قيم العطاء والتسامح والرحمة.










