ثمة ما يُشي بأن الواقع الميداني المتاخم للحدود اللبنانية-الإسرائيلية قد استسلم تماماً لحالة من الهدوء الحذر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بيد أن ذلك لا يعني، بالكلية، استحالة عودة السيولة من جديد واندلاع المواجهات العسكرية.
وخلف خطوط التماس، تنفّذ إسرائيل ضربات جوية محسوبة، وتعتبرها “استباقية” ضد ما تصفه بتهديدات مصدرها “حزب الله” أو مجموعات متحالفة معه.
ويأتي ذلك في سياق تقديرات عسكرية تشير إلى سعي الجيش الإسرائيلي لإعادة صياغة الواقع الأمني والاستراتيجي على الجبهة الشمالية. هذا وقد أنهى اتفاق وقف إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي و”حزب الله”، الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، العملياتِ العسكرية التي استمرت لما يزيد على عام، في تزامنٍ متعمَّد مع الحرب في قطاع غزة.
اقرأ أيضاً: مسؤول إسرائيلي: الإدارة الانتقالية قدمت بوادر حسن نية تجاه تل أبيب – 963+
بداية مسار الدولة القوية أم إعادة تدوير الأزمات؟
أعلن لبنان، الذي انتخب مطلع هذا العام رئيسه الجديد جوزيف عون، تمسُّكه بضرورة إتمام الانسحاب الإسرائيلي، وقالت حكومته إن الحدود الرسمية ليست بحاجة إلى ترسيم، وإنما إلى تأكيدها وتثبيتها.
إلى ذلك، أشار عضو مجلس النواب اللبناني، النائب اللواء أشرف ريفي، إلى أن زمن السلاح قد انتهى، وأن مسار الدولة القوية يبدأ من تحرير الأرض.
وتابع ريفي، الذي سبق أن شغل منصب وزير الداخلية اللبناني، قائلاً: “لقد آن الأوان لتحويل الهدنة الهشّة في الجنوب إلى استقرار دائم، عبر بسط الدولة سلطتها الكاملة على أراضيها وحدودها، بقواها الذاتية الشرعية، وسحب سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. إن تطبيق الدستور والقرارات الدولية 1701، 1559، و1680، إضافة إلى اتفاق وقف إطلاق النار واتفاق الهدنة، هو المدخل الفعلي لبناء الدولة القوية”.
ولفت ريفي، في تصريحاته لـ”963+”، إلى أن الدولة القوية وحدها قادرة على استرجاع النقاط الخمس، وإجبار إسرائيل على الانسحاب، واستكمال ترسيم الحدود. غير أن هذا المسار معطّل بسلاح “حزب الله”، الذي لم يعد يملك القدرة على خلق توازن، ويصرّ على الاحتفاظ به كأداة بيد إيران.
واختتم النائب اللبناني بالقول: “لقد حان وقت القرار الصعب. على الدولة أن تبدأ ببسط سيادتها فعليًا، خصوصًا أن الرئيس جوزيف عون حدّد العام 2025 لتحقيق هذا الهدف. انتهى زمن السلاح، وخطة شراء الوقت للاحتفاظ به لم تعد تنفع”.
ليس ثمة شك في أن الحدود الإسرائيلية-اللبنانية، بهذا التمثّل، لم تعد فقط خط تماس عسكري، بل تحوّلت إلى مساحة رمزية لصراع المشاريع السياسية في الشرق الأوسط، حيث إن كل تصعيد في منسوب العمليات الميدانية يختبر حدود الردع، ويعيد إنتاج موازين القوى، ما يعني بالضرورة أن مساحات الجغرافيا السياسية في الساحات الساخنة، سيّما الجنوب اللبناني، ما زالت تُرسم بالنار لا بالخرائط.
اتفاق هشّ بشروط صلبة
في هذا السياق، قال العميد الركن خالد حمادة، مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات، إن الحدود اللبنانية-الإسرائيلية هي مسرح عمليات دائم منذ عقود مضت.
ويشدد حمادة، في تصريحاته لـ”963+”، على أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم توقيعه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، يتضمّن في حيثياته تطبيقًا للقرارات الدولية ذات الصلة، وهي القرار 1559 والقرار 1701، مشيرًا كذلك إلى القرار 1680 المعني بترسيم الحدود مع سوريا.
اقرأ أيضاً: ترحيب إقليمي ودولي باتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل – 963+
ويلفت الخبير الاستراتيجي اللبناني إلى أن هذا الاتفاق ليس مجرد ترتيبات لوقف النار بهدف تهدئة الوضع الميداني، بل ما وُقِّع عليه لبنان، بعد تدخلات أمريكية وعربية، يتضمّن في حيثياته ليس فقط انسحابًا إسرائيليًا من الجنوب اللبناني، بل يتضمن أيضًا، وبشكل واضح، نزع سلاح “حزب الله” وكافة المنظمات المسلحة، الفلسطينية وغير الفلسطينية، من لبنان. ولا يقتصر الموضوع على منطقة الجنوب اللبناني كما أصبح متداولاً.
الاتفاق، بحسب المصدر ذاته، ينص على عدم وجود أي سلاح غير شرعي في لبنان. بل أكثر من ذلك، فإن هذا القرار يُعدِّد في متنه المؤسسات الأمنية اللبنانية التي يحق لها حمل السلاح.
وبالتالي، بحسب حمادة، فإن هشاشة هذا الاتفاق تتأتّى من مسألتين؛ الأولى هي استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمجموعة نقاط في الجنوب، واستمرار الضربات الإسرائيلية تحت ذريعة أن ثمة إعادة إنتاج لبنية تحتية لحزب الله لم تقم الدولة اللبنانية بنزعها. أما الثانية، فهي عدم تطبيق لبنان لهذا الاتفاق الدولي بكل حيثياته، والترويج لحصرية تطبيقه في جنوب نهر الليطاني، أما شمال الليطاني فهو خاضع لنقاش وطني واستراتيجية دفاعية، وهذا الكلام، طبعاً، لا علاقة له بمضمون الاتفاق.
لذلك، يقدّر العميد الركن خالد حمادة أن الاتفاق هش حتى الآن، لكنه يرجّح أيضاً أنه لن ينهار، بل قد يخضع تنفيذه لإجراءات إضافية قد تأخذ طابعاً تصعيدياً.
وتندرج في هذا السياق الزيارات التي يقوم بها الرئيس اللبناني إلى دول عربية، والزيارات التي تستقبلها بيروت من موفدين أمريكيين وغير أمريكيين. وكل تلك الزيارات تؤكد على ضرورة تطبيق لبنان لقرار نزع سلاح “حزب الله” كشرط للانسحاب الإسرائيلي، وأن هذين الشرطين متلازمان.
إذاً، يعيش لبنان اليوم تحت وطأة هذه الظروف، حيث تستبيح إسرائيل الجنوب وتستبيح لبنان تحت عنوان عدم تطبيق القرار الدولي.
ويختتم العميد الركن خالد حمادة تصريحاته لـ”963+” قائلاً إن لبنان يطالب بالانسحاب الإسرائيلي، ويعتبر أن لديه هامشاً من الحرية لاعتماد إجراءات خاصة في تطبيق القرار، ولكن في النهاية يجب الاعتراف بأن هذا القرار هو قرار دولي، وهو غير خاضع لتفسيرات إسرائيلية أو لبنانية.
ويحذّر حمادة من أن السلطة اللبنانية لم تتخلّص، حتى الآن، من هيمنة طهران على قرارها السياسي. وبالتالي، فإن كل المناورات السياسية التي يقوم بها حزب الله في معرض مناقشة مسألة سلاحه خاضعة لإملاءات طهران، وهذا ما يُبقي لبنان دائمًا ضمن دائرة الصراع الأمريكي – الإيراني، حتى بعد أن أصيب النفوذ الإيراني بضربات كبيرة في لبنان، وفي اليمن، وفي غزة، وفي سوريا.










