مع إشراقة الشمس في شهر أيار/ مايو الجاري، تعود الحياة مجدداً إلى الحقول الزراعية الممتدة على أطراف بلدة بداما الواقعة في ريف جسر الشغور الغربي، في إدلب شمال غربي سوريا، إيذاناً بانطلاق موسم قطاف الفريز، الذي يشكل شرياناً اقتصادياً حيوياً لأهالي المنطقة.
وفي مشهد مألوف يتكرر كل عام، يتوافد عشرات المزارعين، رجالاً ونساءً، إلى الحقول منذ ساعات الصباح الأولى، حاملين سلالهم آملين في موسم وفير يعوّضهم مشاق الزراعة وتقلّبات الطقس.
اقرأ أيضاً: بين ساعة وأخرى.. الأسعار تختلف في دمشق – 963+
تربة خصبة ومياه وفيرة
يبدأ المزارع خليل أبو العبد (68 عاماً) حديثه لـ”963+” بالقول: “يُعد الفريز من المحاصيل الزراعية المهمة في محافظة إدلب، حيث يعتمد عليه المزارعون كمصدر دخل رئيسي خلال فصل الربيع”.
ويضيف: “نزرع الفريز منذ أكثر من عشر سنوات ومع مرور الوقت بات هذا المحصول هو الأساس في معيشتنا، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وقلة فرص العمل”.
ويشير أبو العبد وهو أحد أقدم العاملين بزراعة الفريز في المنطقة، أن بلدته (بداما) الواقعة غرب مدينة إدلب تشتهر بتربتها الحمراء الخصبة، ووفرة مياهها الجوفية، ومناخها المعتدل، وهي عوامل تتيح زراعة الفريز بجودة عالية، ما جعل ثماره مطلوبة في الأسواق المحلية وحتى في أسواق خارجية عندما تسمح الظروف بتصديره.
وتنتشر زراعة الفريز في العديد من المناطق التي تمتاز ببيئة زراعية مناسبة لهذا المحصول، حيث تُعتبر بلدات (بداما، الناجية، الجديدة، عين البيضا، وجسر الشغور) من أبرز المناطق التي تحتضن حقول الفريز في محافظة إدلب، إلى جانب مناطق أخرى بريف أريحا الغربي مثل محمبل واورم الجوز.
ورغم عدم توفر إحصائيات رسمية دقيقة حول المساحات المزروعة بالفريز، إلا أن مزارعين ومهندسين زراعيين تواصل معهم “963+”، قدروها بمئات الدونمات،
ويقدّر متوسط إنتاج الفريز في كل دونم بين 800 إلى 1000 كيلوغرام خلال الموسم الزراعي، بحسب ما أفاد به مزارعون محليون لـ”963+”. أما على صعيد التسويق، فيتراوح سعر بيع الكيلوغرام في الأسواق المحلية ما بين 150 إلى 250 ليرة تركية، ويتفاوت السعر بحسب جودة الفريز المعروض ومدى الإقبال عليه.
وتتفاوت جودة الفريز بين منطقة وأخرى تبعاً لطبيعة التربة، ووفرة المياه، ودرجات الحرارة، إلا أن معظم الإنتاج في إدلب يحظى بسمعة جيدة نظراً للعناية التي يبذلها المزارعون، والخبرة المتراكمة لديهم في زراعته.
عناية مستمرة
وعن مراحل زراعة وقطف الفريز، يقول المزارع مصطفى بربش (33عاماً) لـ”963+”، إن زراعة الفريز تبدأ بتحضير الأرض في الخريف، حيث تُحرث وتُسمّد وتُجهّز بشبكات الري وتُغطى بالبلاستيك الزراعي، قبل غرس الشتلات يدوياً، مشيراً إلى أهمية التوقيت والتجذير الجيد قبل حلول الشتاء لضمان موسم ناجح.
ويبين أن العناية بالمحصول مستمرة طوال الموسم، وتشمل الري المنتظم، التقليم، والمراقبة الدقيقة للآفات، نظراً لحساسية الفريز، في حين يبدأ القطاف من شهر نيسان/ أبريل ويبلغ ذروته في شهر مايو، ويتم يدوياً بحذر بالغ لحماية الثمار التي تُجمع في صناديق خاصة وتحفظ في برادات.
ورغم أن الفريز يشكل مصدر رزق أساسي لأهالي بداما، فإن التسويق يبقى تحدياً كبيراً، خاصة مع تقلّب الأسعار وصعوبة الوصول إلى أسواق خارجية، ليؤكد بربش أن “الفريز ليس مجرد محصول، بل يعتبر عائداً هاماً ووحيداً بالنسبة لعائلات كاملة في المنطقة”.
ولا يقتصر العمل في الحقول على الرجال فقط، بل تشارك النساء أيضاً بجميع مراحل الإنتاج، من الزراعة إلى القطاف والتوضيب، وهو ما يشكل مصدر دخل رئيسي يؤمن للعديد منهن بعض احتياجاتهن الأساسية.
وتقول رائدة الرواس 32عاماً، وهي أم لأربعة أطفال، إنها تعمل في قطاف الفريز منذ خمس سنوات، حيث يبدأ عملها من الساعة الخامسة صباحاً حتى الظهر، ويشكل هذا العمل مصدر رزقها الأساسي الذي يساعدها على تأمين احتياجات أطفالها.
وتضيف لـ”963+”، أنه وعلى الرغم من الصعوبات، فإنها تشعر بالرضا عن عملها في هذا المجال، وتجد فيه راحتها النفسية والجسدية، سواء من حيث العائد المادي أو الإحساس بالإنتاج والاعتماد على الذات.
اقرأ أيضاً: الخضار تُباع بالحبة في درعا.. موسم الغلاء يسبق موسم الحصاد – 963+
صعوبات ومشاكل مفاجئة
رغم الحيوية التي يضفيها الموسم على محافظة إدلب، لا يمكن إغفال الصعوبات التي تواجه المزارعين، خصوصاً في ظل ضعف الدعم الحكومي وغيابه في بعض الأحيان، إذ إن معظم المزارعين يعتمدون على خبراتهم الشخصية أو بعض النصائح المحلية، ما يعرضهم لخسائر في حال ظهور أي مشكلة مفاجئة.
ويأمل المزارعون في أن يتم توفير دعم أكبر لهم، سواء من قبل المنظمات الزراعية العاملة في المنطقة أو من الجهات المعنية، من خلال تقديم الإرشاد الزراعي، وتأمين مستلزمات الإنتاج، وتوفير أسواق تصريف مستقرة تضمن لهم مردوداً عادلاً.
ويؤكد المهندس الزراعي عبد الرحمن خليل لـ”963+”، أن موسم الفريز في إدلب هذا العام، يبدو واعداً مقارنة بالسنوات السابقة، وذلك بفضل استقرار الظروف المناخية التي ساعدت في نضوج الثمار بجودة عالية، دون تسجيل إصابات تذكر بالأمراض أو الآفات الزراعية.
ويتوقع خليل زيادة في الإنتاج بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالموسم الماضي، إذا استمرت الأجواء المعتدلة حتى نهاية الموسم، حيث أشاد بجهود المزارعين في رعاية المحصول، رغم غياب الدعم الفني، مؤكداً أن جودة الفريز الحالي تفتح آفاقاً جيدة لتسويقه محلياً وربما خارجياً.
ويشير إلى أن المزارعين يواجهون تحديات كبيرة أبرزها ارتفاع تكاليف الأسمدة والمحروقات، إضافة إلى ضعف القدرة الشرائية في الأسواق المحلية، ما قد يضغط على أسعار البيع ويحدّ من أرباحهم.










