“أريد أن أعيش طبيعتي الحقيقية كامرأة وأتخلص من الوحش الذي يتبعني كظلي. شعوري الذي أعيش به طوال حياتي هو الانتماء الى حظيرة خنازير، ولكي تبقى طبيعتي الحقيقية مخفية وأحظى بالاحترام الواجب، علي أن أتصرف برعونة أكبر من بقية السفلة حولي في الحظيرة”.
بهذه الكلمات يلخص مانيتاس ديل مونتي، رئيس أكبر وأشرس عصابة لتهريب المخدرات في المكسيك مأساته أمام المحامية ريتا الطموحة التي سيتغير قدرها نحو عالم الثراء حال نجاحها بتنفيذ المهمة الموكلة إليها، وهي مساعدته في البحث لإحضار أمهر طبيب في العالم يقوم بإجراء عملية التحول الجنسي، إضافة إلى ترتيب كافة شؤونه المالية والقانونية وشؤون زوجته وطفليه ونقلهما إلى سويسرا مع فبركة نبأ مزيف عن موته، قبل نجاح العملية وانتقاله إلى هوية جديدة يعيش فيها كامرأة جذابة تدعى (إميليا بيريز).
تختصر هذه الأحداث حبكة فيلم(إميليا بيريز)المكسيكي الفرنسي لمخرجه جاك أوديار، والذي شكل حدثاً سينمائياً مغايراً منذ اطلاقه في مثل هذه الأوقات من شهر مايو العام الفائت ضمن مهرجان كان الدولي، إن بسبب موضوعه المثير عن المتحولين، أو بسبب نجمته الاسبانية(كارلا صوفيا غاسكون) المتحولة في الأساس، وامتداد طوفان الإعجاب لحصد أهم جوائز الفيلم الأوروبي وغولدن غلوب وغيرها، ثم رحلته إلى الأوسكار2025 ب(13) ترشيحاً رئيساً، من بينها ترشيح غاسكون كأفضل ممثلة، والتي لو قيض لها الفوز، كانت ستشكل سابقة في تاريخ الأوسكار كمتحولة، لكنها خيبت الآمال بعد نبش ماضيها والعثور على بعض منشوراتها التي تحمل عنصرية اتجاه المسلمين في بلادها، وكأن ماضيها الآثم تقاطع قدرياً بين حياتها الحقيقية وبين قصتها في الفيلم.
إميليا بيريز شخصية تم استلهامها من رواية فرنسية بعنوان(إيكوت)2018 للروائي بوريس رازون. وبحسب تعريف الفيلم في العديد من المواقع بأنه كوميدي موسيقي. لكنه في الواقع لايتضمن أي مشهد كوميدي، كما لايمكن تسميته بفيلم(ميوزيكال) بالمعنى الحرفي. إذ أن الأغاني المؤداة والمترافقة أحياناً ببعض الرقصات التعبيرية ضمن بعض المشاهد المفصلية، ليست أكثر من أسلوبية فنية بدت ملائمة للتعبير العاطفي عن كل شخصية ومشاعرها المرتبطة بالكبت والغضب أو الألم والقهر أو الفرح وغيرها من المشاعر، والتي يمكن اعتبارها بوح عميق وُفِّقَ في توظيفه الفني ضمن سياق الفيلم.
يفتتح الفيلم أولى مشاهده بعربة تجول في طرقات المدينة المكتظة تعلن عبر مكبر الصوت عن شراء المحركات والخرداوات التالفة، في مشهد يذكرك بالسيارات المشابهة في شوارع بلادك، كما في العديد من بلدان العالم الثالث، التي تجول وتزعق بالمكبرات لشراء الخردة. لكن مشهد العربة يوظف هنا مع تحضير المحامية ريتا لمرافعتها القانونية قبل جلسة حاسمة للمحكمة والتي سيطلب منها أن تبرئ قاتلاً، بمعنى أن كل شيء قابل للمقايضة في هذه البلاد التي ينتشر فيها العنف والفساد، بما فيها الضمير والعدالة.
وإذ يمكن القول إن الفيلم ملفت حقاً في نصه، ليس لموضوعه الأبرز حول التحول المثير للجنس ومآلاته فقط، بل لدمجه عدداً من القضايا الساخنة في السياق، والتي تتناغم لتشكل نسيجاً سينمائياً محكماً لقصة كثيرة العِبر، أبرزها الفساد الحاد المتغلغل في مفاصل البلاد ويشمل أبرز أبطال الفيلم ودوره في تغيير مصائرهم، ابتداء من المحامية ومديرها الفاسدين، وجيسي زوجة زعيم العصابة مانيتاس وخيانتها له، وإيميليا بيريز التي ستستمر رغم تحولها لامرأة في التعامل مع رجال الدولة الفاسدين لدعم منظمتها الخيرية من أموالهم القذرة، مثل وزير الداخلية الذي ذبح شريكه وعائلته وأذاب جثثهم بالأسيد، والقاضي المتحرش بالأطفال، ووزير التعليم العام المختص في الشركات الوهمية وبناء ثروات خيالية على حساب بناء المدارس.
في التحول إلى امرأة، وبفيض الأنوثة التي ستظهرها إميليا وعشقها للنساء، سيبدو تحولاً إيجابياً يؤكد أن روح النساء أكثر حساسية للعدالة ومناصرة للمظلوميات التي شاركت في خلقها بنفسها خلال حياتها السابقة كرئيس لعصابة، أي مسؤوليتها الجرمية عن وجود ضحايا جراء الاتجار بالمخدرات. لكنه سيبدو تحولاً مؤقتاً، يؤكد أن تغيير الجنس لا يعني تغيير الهوية أو مسح الذكريات والماضي، إذ ستعود شراسة مانيتاس(الزوج القابع داخل إميليا) للظهور حال استثارته، مؤكداً بعودته المقنّعة بامرأة ما حذر منه الطبيب قبل إجرائه لجراحة التحول بقوله:( إن كان المتحول ذئباً.. سيصير ذئبة).
ذئبة اسمها إميليا لن يطول بقائها، وستقتل على يد أفراد عصابتها السابقة، لتتحول شعبياً إلى أسطورة وقديسة، بعد أن ساعدت بحلتها الجديدة كامرأة وعبر منظمتها الخيرية الآلاف من الناس في العثور على جثامين أحبائهم الضحايا المتراكمة في مقابر جماعية، والتي كان لها يد طويلة سابقة في حفرها مع سواها من عصابات الاتجار بالمخدرات المنتشرة على طول البلاد. وكأن لسان حال الفيلم يريد أن يذكرك كيف يتم الضحك على الشعوب المسكينة بقديسين ذي ماضٍ إجرامي مشين، وكم زعيم أو مسؤول حول العالم، ينصَّبون كمخلّصين وهم قتلة أو إرهابيين، وكأن لبس الياقة أو تشذيب اللحى، أو تنعيم البشرة، أو تغيير اللوك، أو تحويل الجنس يصفح عن ماضٍ إجرامي مبلل بدماء الأبرياء.










