ركزت الحكومة السورية الانتقالية خلال الأشهر الماضية على الجانب الاقتصادي في البلاد، وذلك عبر تأكيدات من مسؤوليها في كل مناسبة رسمية تقريباً على بناء سوريا الاقتصادية بعيداً عن العسكرة وانضمام البلاد إلى أحد المعسكرين الشرقي أو الغربي.
وتحاول الحكومة بناء علاقات جيدة مع مختلف دول العالم بعيداً عن خلق عدو وهمي، دعماً لاستراتيجيتها المرتكزة على تقوية اقتصاد البلاد، لكن ما يعيق تحريك عجلة الاقتصاد العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، الأمر الذي يجعل كافة المؤسسات الدولية وحتى العربية عاجزة عن الدخول إلى سوريا، في ظل استمرار سريان “قانون قيصر”.
وشاركت سوريا في مؤتمر المانحين الذي عُقد في بروكسل، ممثلة بوزير خارجيتها أسعد الشيباني، الذي عقد لقاءات عديدة مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي، وممثلي دوله الأعضاء، في مشاركة سوريّة رسمية هي الأولى في هذا المؤتمر السنوي، الذي نظمه الاتحاد الأوروبي منذ عام 2017، بعد أن غاب التمثيل الرسمي السوري عن جميع الدورات السابقة خلال فترة حكم النظام المخلوع.
اقرأ أيضاً: المانحون بمؤتمر بروكسل يتعهدون بتقديم 2،5 مليار يورو لدعم سوريا
وقد أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، تعهدات دول الاتحاد وشركاءهم بتقديم 5.8 مليار يورو (6.3 مليار دولار) لدعم سوريا والدول المجاورة، في إشارة إلى الأردن ولبنان، اللذان يستضيفان أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين.
اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يؤكد المضي بدعم سوريا خلال المرحلة الانتقالية
ورغم أن بروكسل رفعت بعض القيود، بما في ذلك تلك المفروضة على الخطوط الجوية السورية، والاستثمارات في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، لا يزال السوريون في أوروبا غير قادرين على إرسال الأموال إلى أقاربهم عبر القنوات المصرفية التقليدية بسبب العقوبات. فيما اعتبر الشيباني، أن خطوات الاتحاد الأوروبي “لم ترقَ إلى مستوى التوقعات”، داعياً إلى تقديم مزيد من الدعم والمساعدات.
وساهم عزل المصرف المركزي السوري عن الشبكة العالمية نتيجة العقوبات، بعدم قدرة الفعاليات والجمعيات الدولية وحتى دول صديقة من التعامل مع الحكومة السورية. ما دفع دمشق إلى البحث عن تعزيز الثقة مع البنك الدولي بعد سلسلة من اللقاءات التي حضرها وزير المالية محمد يسر برنية. وطالب برنية خلال اجتماعاته مع البنك الدولي بإرسال فريق تقني لتقييم الأوضاع في سوريا، بعد أن دفعت الرياض ديون دمشق على البنك الدولي والبالغ قيمتها 15 مليون دولار أميركي.
العقوبات أساس المعضلة
قال الأكاديمي محمود الأفندي، محلل سياسي، يقيم في موسكو، في العدد العاشر من صحيفة “963+”، إنه من المبكر الحديث عن العلاقة بين الدولة السورية والمؤسسات الدولية المانحة، لا سيما أن العقوبات لم تُرفع عن سوريا، ولا يزال قانون “قيصر” حيز التنفيذ.
وأضاف أن زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السعودية قد تحمل تخفيف للعقوبات عن سوريا، وما يتمناها السوريون أن تُزال جميع العقوبات. إذ تعول الدولة السورية التي أسست لعلاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية على الرياض وثقلها الإقليمي والدولي وعلاقتها مع واشنطن بالتأثير في القرار الأميركي وإقناع ترامب بإزالة “قانون قيصر”.
اقرأ أيضاً: المنح الأممية لسوريا.. دعم اقتصاد أم مناورة سياسية؟
وأشار الأفندي إلى أن إزالة العقوبات الأميركية من شأنه أن يفتح أفق للاقتصاد السوري في مجال التعامل مع مؤسسات دولية، خاصة أن الحكومة الانتقالية أكثر مرونة في المجال الاقتصادي والسياسي من الحكومات السابقة، كما أنها لا تملك أو تستخدم “فيتو” ضد أي دولة.
ولفت أن سوريا لم تملك طيلة فترتها اقتصاد مرتبط مع جميع دول العالم، إذ كانت تعتمد اقتصاد الفساد، وفق قوله. ويرى أن الاقتصاد السوري نما في فترة أواخر الستينات وأوائل السبعينات، لكن رفعت الأسد شقيق الرئيس الأسبق حافظ الأسد قضى على الاقتصاد بقضائه على تجار حلب، وأكبر تجار سوريا، بما يسمى باحتكار التجارة إلى بعض التجار الفاسدين، ما تسبب بهروب بعضهم إلى خارج البلاد.
وتابع أن المؤسسات من شأنها المساعدة في نمو الاقتصاد السوري، لكن الأمر يتوقف على إزالة العقوبات، فأي قرار عدا ذلك من تجميد أو تخفيف لن يصب في مصلحة الاقتصاد السوري ولا يشجع المؤسسات الدولية على التعامل مع سوريا.
ورأى أن احتكار بعض المؤسسات الدولية للاقتصاد السوري نتيجة مساهماتها أو توقيع عقود كويلة الأمد مع دمشق أمر فيه جانب إيجابي، ويخلق فرصة للتنافس، رغم أنها ستكون تجربة جديدة في سوريا، لا سيما أن البلاد جربت اقتصاد الفساد والاقتصاد المغلق، وهذين كانا لهما تأثير “كارثي” على البلاد.
الحكومة القوية تفرض شروطها
أكد الدكتور أسامة القاضي، رئيس مركز قاضي للاستشارات الاقتصادية، في تصريحات وردت بالعدد العاشر من صحيفة “963+”، على ضرورة أن يكون هناك علاقة جيدة بين الحكومة السورية والمؤسسات الدولية المانحة، لكن هناك منظمات مجتمع مدني لها علاقات مع هذه المؤسسات، وعن طريقها تعمل على تحصيل أكبر قدر من المنح لتقديم مشاريع إغاثية أو دعم بعض المشاريع التنموية التي يمكن أن تسهم بدفع عجلة الاقتصاد السوري.
وأضاف أن أداء الحكومة الجديدة قادر على ضبط الخطوط الحمراء لبعض المؤسسات الدولية المانحة من أن تتحكم بالاقتصاد السوري، ويجب على الحكومة أن تضع شروطها لهذه المؤسسات.
اقرأ أيضاً: العملة السورية… بين استبدال صور عائلة الأسد وإزالة الأصفار
ولفت إلى أن وزير المالية في الحكومة الانتقالية قد أكد عدة مرات أن ما تحتاجه سوريا، فقط فرق تقنية لتقييم الوضع وإعطاء ضوء أخضر للمؤسسات الأخرى بدخول سوريا لمساعدتها، وإعطاء تطمينات للمستثمرين بأن المناخ جيد، وكذلك البنى التحتية من جسور وطرق وإنترنت بأنها متوفرة وآمنة، وأتمتة المصرف المركزي والمصارف الخاصة ورفع كفاءة العاملين، وكذلك تطمينات بشأن الخدمات العامة، وأتمتة كل الهيئات العامة.
وأشار القاضي إلى دور الدولة الذي يأتي بتحديد عمل تلك المؤسسات، فهي هنا ليست لتتحكم بالاقتصاد السوري، بل لتساعد بشكل أولي في النهوض وإعطاء رسالة تطمينية للمستثمرين في العالم ليدخلوا السوق السورية. كون أي جهد إيجابي يحسّن في الاقتصاد السوري ويسهل دخول رؤوس الأموال السورية والعربية والأجنبية للدفع بعجلة الاقتصاد في البلاد.
نشرت هذه المادة في العدد العاشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 9 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد العاشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










