انهار نظام بشار الأسد وحلّ محلّه أحمد الشرع، المعروف سابقاً باسم “أبو محمد الجولاني”، استناداً إلى قرار فصائل عسكرية كان يقودها ضمن “إدارة العمليات العسكرية”، التي حسمت آخر المعارك ضد النظام البائد، ويُفترض أنها حُلّت رسمياً وجرى ضمّها إلى وزارة الدفاع والجيش السوري الجديد.
أصدر الشرع إعلاناً دستورياً ينظّم المرحلة الانتقالية المقرّرة بخمس سنوات، مانحاً نفسه صلاحيات تخوّله التحكّم بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، على غرار سلفه المخلوع، ومن دون أي نص يتيح الرقابة أو المحاسبة على أعماله. برّر مؤيدوه هذا الإجراء بـ”الشرعية الثورية”، نتيجة قيادته العملية العسكرية التي انتهت بفرار الأسد، على ما في هذا النسب للثورة من تناقض مع مواقف وممارسات سلبية وعدائية اتخذها هو وفصيله الجهادي، منذ ظهوره وطيلة سنوات، ضد كثيرين تكلّموا باسم الثورة، من نشطاء مدنيين إلى هيئات المعارضة السياسية وكتائب الجيش الحر، وحتى بعض الفصائل الإسلامية الأقل تشدداً من جماعته بمراحلها ومسمياتها المختلفة: جبهة النصرة لأهل الشام (تنظيم القاعدة)، جبهة فتح الشام، هيئة تحرير الشام.
وبسبب سيرة الشرع كإسلامي جهادي، أسس وقاد فرعاً لتنظيم القاعدة في سوريا، ما زال اسمه على قوائم الإرهاب في العالم، الأمر الذي يعيق الاعتراف الدولي الكامل بشرعية سلطته، ويطرح تساؤلات عن إمكانية تحولّه إلى رجل دولة. وجاءت سياساته، والأحداث التي جرت وتجري تحت أعين سلطته وبمشاركة بعض أطرافها، لتعزز الشكوك والمخاوف، داخلياً وخارجياً، تجاه النظام الجديد.
كشفت التعيينات الحكومية والإدارية على المستويات كافّة أنّ السلطة الانتقالية تتبع أسلوب “الحزب القائد”، كما كان سائداً طيلة نصف قرن من الحكم البعثي والأسدي، فالانتماء إلى حزب السلطة والولاء له شرط يسبق الكفاءة لتولّي المناصب الحساسة، والأمثلة أكثر من أن تحصى، في قطاعات الجيش والأمن والشرطة والإعلام والتعليم وسواها. ساهمت هذه المعطيات في فشل الاتفاق الموقّع بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ومظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديموقراطية، وبقائه حبراً على ورق.
لا تقتصر الحالة الفصائلية الإقصائية والمتطرفة على كواليس السلطة وتعييناتها وعلاقاتها الداخلية، بل تسيطر على المشهد اليومي في مختلف المناطق السورية، وهي التي هيّأت الظروف لحصول الفلتان الأمني والمجازر الطائفية بحقّ العلويين في مناطق الساحل وغيرها، بعد سحق التمرّد المسلّح الفاشل لمجموعات موالية للأسد الفارّ. ومع إهمال السلطة المتعمّد للمناطق المنكوبة واستمرار الانتهاكات، لا يؤمل الكثير من “لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل” التي شكّلها الشرع. كاد المشهد يتكرّر ضدّ طائفة الموحّدين الدروز، حيث تعرّضت جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق، وبعض قرى ريف السويداء لهجمات متفرقة، أوقعت عشرات القتلى والجرحى، بعد حملة تحريض ممنهجة طاولتهم، على خلفية تسجيل صوتي مفبرك، تضمّن عبارات تسيء للمسلمين، لكنّ عوامل داخلية وخارجية ساهمت في تطويق الأزمة.
فإذا أضيفت مئات “الحالات الفردية”، من جرائم خطف وقتل وانتهاكات موثّقة، يرتكبها عناصر محسوبون على وزارة الدفاع أو الأمن العام التابع لوزارة الداخلية، أو حتى على ما يسمّى “فصائل غير منضبطة”، يمكن الجزم بغياب أي استراتيجية واضحة لدى السلطة من أجل محاسبة عناصرها أو ضبط تلك الفصائل، إذا كان لديها النيّة لفعل ذلك أصلاً. وينطبق الحال على الجهاديين الأجانب، الذين لا رادع يوقف انتهاكاتهم بحق السوريين، وترى عواصم غربية أن هذا أحد الملفات التي ينبغي حلها لرفع العقوبات عن سوريا.
اقرأ أيضاً: عن الديموقراطية المؤجلة في سوريا
بالتوازي مع الواقع الأمني المزري، لم يتحقق شيء يذكر من وعود السلطة في الشأن الاقتصادي، أو في ملف النازحين والمهجّرين، وهي مستمرة في تجاهل إطلاق مسار العدالة الانتقالية، على الرغم من النص في الإعلان الدستوري على إنشاء هيئة مستقلة لهذا الغرض. وفي وقت يحظى بعض من كانوا جزءاً من منظومة الإجرام الأسدي برعاية السلطة وحمايتها، تبدو مسألة العدالة والمحاسبة ومن ضمنها كشف مصير المفقودين خارج أولويات السلطة، ولا تناسب ماضيها وممارساتها خلال الثورة والحرب، علماً أنّ غياب الاهتمام الجدّي بها زاد من الانتقام والقتل خارج نطاق القانون، وهذا يعني مزيداً من الانقسام المجتمعي، واستحالة تحقيق السلم الأهلي.
إنّ شرعية السلطة ليست هبةً تُمنح مرة واحدة وكفى، بل عملية تراكمية يتطلب استحقاقها واستمرارها جملة عناصر لازمة، من بينها احترام حقوق الإنسان، والعمل المؤسساتي، والشفافية، وخدمة الصالح العام. وتتآكل شرعية أي سلطة بقدر ما تتجاوز حدود موقعها في الدولة، فالسلطة جزء من الدولة، وظيفتها خدمة الصالح العام للأمة. والمقصود هنا الأمة بمعناها السياسي والحقوقي، أي الشعب: مجموع المواطنات والمواطنين الذين يحملون جنسية الدولة. ومن عوامل تفسخ الدولة تغوّل السلطة عليها وعلى المجتمع، وتسخيرهما لخدمة النظام الحاكم، على طريقة الأسد وأضرابه من المستبدّين، فتتنكر السلطة لوظيفتها الأساسية وتضمحلّ شرعيتها، وتكفّ الدولة عن كونها تجسيداً للأمة، ويتفسّخ المجتمع بانهيار علاقات المواطنة التي تربط بين أعضائه، وبينهم وبين الدولة. ليس من الصعب إسقاط هذا التوصيف على سلطة الرئيس السوري الانتقالي، ما دام يبني نظامه قائماً على إعلان دستوري يخوّله كل تلك الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية بلا رقيب أو حسيب، وفي ظلّه تعيث الفصائل المنضبطة وغير المنضبطة فساداً في الأرض.
من غير المجدي الحكم على شرعية أحمد الشرع استناداً إلى ماضيه فقط، فالمعيار الموضوعي هو قدرته على تجاوز حالة سلطة الأمر الواقع الفصائلية إلى منطق الدولة العمومية. ما يثير الريبة بشأن توجهات نظامه المقبل هو احتكار السلطة، وتهميش القوى السياسية والمجتمع المدني، واعتماد الولاء والقرابة والوشائج العشائرية والأيديولوجية في توزيع المناصب والمكاسب، وهذا كلّه يتنافى مع الطابع التشاركي المطلوب لنجاح المرحلة انتقالية، ويقلّل من مصداقية النظام الجديد.
لا تقوم شرعية السلطة على عدد الدول التي يزورها رئيسها أو الوفود التي يستقبلها، فهذه “شرعية” دعائية، لكنّ الحقيقية تنبع من ممارسات قانونية لمؤسسات حقيقية، تهيّئ الظروف لتأسيس عقد اجتماعي جديد يضم مختلف أطياف الشعب السوري في دولته الجديدة. من دون ذلك، لن تكون سلطة أحمد الشرع سوى استئناف لمسار الاستبداد والعنف وتغييب الدولة.
نشرت هذه المادة في العدد العاشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 9 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد العاشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










