في تصعيد وُصف بأنه من بين الأعنف منذ سنوات، شنت إسرائيل غارات جوية مكثفة على مواقع في مناطق متفرقة من سوريا، شملت العاصمة دمشق وريف حماة والقنيطرة ودرعا، تزامناً مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن انتشار قواته في القرى الدرزية جنوب سوريا. وقد أثار هذا التصعيد تساؤلات في الأوساط السورية حول خيارات الرد، وحدود الصمت الرسمي في ظل حكومة انتقالية تركز على ملفات الداخل المعقدة.
غارات إسرائيلية وتنديد حكومي
شنت طائرات إسرائيلية نحو 20 غارة جوية ليل الجمعة – السبت، على مواقع في دمشق ودرعا والقنيطرة وحماة واللاذقية. وقُتل شخص جراء 4 غارات قرب مستشفى حرستا العسكري بريف دمشق، فيما أصيب أربعة آخرون بغارة قرب بلدة شطحة في منطقة سهل الغاب بريف حماة الشمالي الغربي، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وفجر الجمعة، استهدفت طائرة حربية إسرائيلية موقعاً قرب القصر الرئاسي في دمشق، وذلك وفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس. وأفاد البيان، أن الضربة الإسرائيلية على دمشق “حملت رسالة واضحة إلى الحكومة السورية”، مؤكداً أن إسرائيل “لن تسمح بأي تهديد للدروز’’.
وجاء في بيان إسرائيلي رسمي أن إحدى الضربات استهدفت موقعاً قرب القصر الرئاسي في دمشق، في رسالة اعتبرتها تل أبيب موجّهة للإدارة الانتقالية في سوريا، محذّرة من “أي تهديد للطائفة الدرزية”. كما أعلن الجيش الإسرائيلي عن انتشاره في القرى الدرزية بريف محافظة القنيطرة، مشيراً إلى استعداده لمنع دخول ما وصفها بـ”قوات معادية”، وفق ما نقلته صحيفة “هآرتس”.
ويأتي هذا التحرك عقب توترات شهدتها مناطق ذات غالبية درزية في ريف دمشق، بعد انتشار تسجيل صوتي مسيء نُسب لأحد رجال الدين في محافظة السويداء، ما أسفر عن اشتباكات محدودة بين فصائل محلية، وفقاً لما أفادت به صحيفة “هآرتس”..
ومن جانبها، أدانت الرئاسة السورية، الجمعة، في بيان لها، القصف الإسرائيلي للقصر الرئاسي في العاصمة دمشق وقالت إنه ‘‘يشكل تصعيداً خطيراً ضد مؤسسات الدولة وسيادتها’’، مؤكدةً أن “الغارة الإسرائيلية تعكس استمرار الحركات المتهورة التي تسعى لزعزعة استقرار البلاد’’، معتبرةً أن “الهجوم يستهدف الأمن القومي والشعب في سوريا”، داعيةً الدول العربية لتوحيد الموقف.
وأمس السبت، كانت قد أعربت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، عن إدانتها للقصف الإسرائيلي و “أعمال العنف الطائفية” في سوريا.
وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس الجمعة، إن “الأمين العام يدين انتهاكات إسرائيل لسيادة سوريا، بما في ذلك الغارات الجوية قرب القصر الرئاسي بدمشق”.
وأضاف: “من الضروري أن تتوقف هذه الهجمات وأن تحترم إسرائيل سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها واستقلالها”، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس).
اقرأ أيضاً: تصعيد إسرائيلي في سوريا بعد مؤتمر الحوار الوطني.. تحركات مؤقتة أم خلق واقع جديد؟
أسباب صمت دمشق
يرى محللون أن تعاطي دمشق مع هذا التصعيد يتسم بالحذر، في ظل معطيات عسكرية وسياسية معقدة. في تصريحات لموقع ‘‘+963’’، أوضح سكرتير المكتب السياسي في حزب اليسار الديمقراطي السوري، سامر كعكرلي، أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة تمثل انتهاكاً سافراً لسيادة سوريا، وتكشف حجم المخاطر المحيطة في ظل حالة الانكشاف الوطني والانقسام السياسي وغياب منظومة مؤسسات وطنية راسخة قادرة على حماية الأرض والناس.
وقال كعكرلي: ‘‘دمشق لا تمتلك القدرة العسكرية للرد على الاعتداءات الإسرائيلية لذلك تكتفي بالإدانة والاستنكار، حتى أن الرئاسة السورية لم تخرج ببيان إلاّ عندما كان هناك استهداف إسرائيلي لموقع قريب من القصر الجمهوري حيث استشعرت الخطر والرسالة الإسرائيلية’’.
وأضاف: ‘‘أن ما يتعرض له السوريون من خروقات متكررة على يد إسرائيل لا ينفصل عن الواقع الهش الذي تعيشه البلاد’’، مرجعاً سبب عدم قدرة الإدارة الانتقالية في سوريا على الرد إلى غياب المرجعية السياسية الجامعة التي تعبّر عن إرادة السوريين وتحظى بشرعية ديمقراطية كاملة تُمكّنها من الدفاع عن السيادة ومصالح الشعب السوري’’.
لذا اعتبر كعكرلي أن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية لا يكون بالشعارات ولا بالمزايدات، بل بوحدة وطنية حقيقية تضمن بناء دولة مؤسسات تُستمد فيها الشرعية من الشعب، وتُدار فيها السلطة بالشفافية والمحاسبة، ويكون القرار الوطني مستقلاً عن أي نفوذ خارجي أو اصطفاف فئوي.
في المقابل، أشار الباحث في الشأن الإسرائيلي، الدكتور خليل أبو كرش، إلى أن الإدارة الحالية ورثت واقعاً صعباً من النظام السابق، الذي ترك البلاد في حالة إنهاك اقتصادي وعسكري، بعد صراع استمر لأكثر من عقد. واعتبر أن التركيز الحالي في دمشق ينصب على الملفات الداخلية، وأن الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية.
أما السبب الثاني فهو عدم امتلاك دمشق للقدرة والإمكانيات العسكرية، خاصة بعد أن دمّرت إسرائيل الترسانة العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي للنظام السوري السابق بهدف جعلها دولة منزوعة السلاح. كما أن الإدارة الحالية في دمشق هي انتقالية وغير معنية في الوقت الحالي بمواجهة إسرائيل، لأنها تركز على القضايا والأولويات السياسية الداخلية الشائكة، وفق خليل أبو كرش.
وتابع في حديثه لـ‘‘+963’’، ‘‘مجابهة تل أبيب يعني مجابهة واشنطن أيضاً، لذلك دمشق صامتة وحتى إلقاء بيان بخصوص الاعتداءات الإسرائيلية أمرٌ صعب بالنسبة لها، لأنها تريد اعترافاً دولياً ورفعاً للعقوبات المفروضة على سوريا، وإذا واجهت إسرائيل فبالتأكيد لن تحصل على ذلك’’.
اقرأ أيضاً: تجييش طائفي يهدد السلم الأهلي والنسيج المجتمعي في سوريا
رسائل التصعيد الإسرائيلي
يقرأ بعض المحللين هذا التصعيد ضمن “استراتيجية الأطراف” الإسرائيلية، التي تهدف إلى كسب نفوذ في مناطق الأطراف الحدودية من خلال دعم مكونات محلية. وأوضح أبو كرش أن إسرائيل تسعى إلى ترسيخ واقع أمني جديد يضمن لها تفوقاً استراتيجياً، ويمنع سوريا من استعادة قوتها العسكرية مستقبلاً.
وأشار خليل أبو كرش إلى أن تل أبيب تحاول الاستقواء على دمشق وإضعافها وضمان عدم قدرتها على استعادة قوتها العسكرية مستقبلاً، محاولةً فرض قواعد لعبة جديدة، وبناء ما يُعرف بـ”استراتيجية الأطراف” وهو جزء من النظرية الأمنية والعسكرية في إسرائيل التي ترى أن الفرصة ذهبية وملائمة لتنفيذ وتطبيق هذا النوع من التمدد خارج حدودها.
”استراتيجية الأطراف”، وهي استراتيجية تقوم على دعم الأقليات والجماعات الأثنية والطائفية في المنطقة العربية، وفي حالة سوريا تسعى إسرائيل إلى كسب ولاءات في المناطق الحدودية البعيدة عن المراكز السياسية، لا سيما بين المكونات المحلية مثل الدروز في الجنوب والعشائر في الشرق السوري.
ونوه الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي إلى أن هناك دول إقليمية مؤثرة تحاول قدر الإمكان تهدئة الشرق الأوسط وعدم الانجرار إلى المزيد من الحروب والمواجهات، لذلك تحاول التنسيق مع سوريا الجديدة لإدماجها في المنظومة الإقليمية العربية وحمايتها وعدم السماح لها بالانجرار لمواجهة مع إسرائيل.
وكان موقع “إرم نيوز” الإخباري، كشف الجمعة، نقلاً عن مصدر سياسي سوري، عن أن إسرائيل أوصلت رسائل إلى دول إقليمية تفيد بموافقتها على عدم التدخل عسكرياً في سوريا، وذلك في حالت التزمت الإدارة الانتقالية في سوريا بحماية أبناء الطائفة الدرزية، ومنع حصول “مجازر” بحقهم، كما حصل في الساحل السوري قبل شهرين.
رغم أن الحكومة الانتقالية في دمشق أدانت الغارات، إلا أن غياب موقف أكثر صرامة يثير نقاشاً داخلياً حول طبيعة المرحلة الانتقالية وحدود القرار السيادي في ظل التحديات المتراكمة. ويرى مراقبون أن مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية تتطلب تفعيل أدوات دبلوماسية جديدة، وبناء موقف وطني جامع يرتكز على شرعية شعبية ومؤسساتية قوية.










