“فلنصلّ ليرزقنا الربّ بابا متشككاً، بابا يخطئ ويطلب المغفرة ويواصل حياته كإنسان عادي وليس إله. بهذه الكلمات يفتتح النجم العالمي رالف فاينس بدور كبير الأساقفة طوماس لورنس في فيلم (كونكليف) اليوم الأول من بدء الاقتراع لانتخاب بابا جديد بعد ثلاثة أسابيع من وفاة البابا حسب المراسيم المعمول بها. مذكراً الكرادلة باختلافات توجهاتهم بوصية القديس بولص الرسول بأن عطية الرب هي الكنيسة وما يمنحها قوتها هو تنوعها. اجتماع سيبدو أبطاله وكأنهم بيادق، يتوزعون في اختلافاتهم وانقساماتهم بين شطري رقعة شطرنج، ينغمسون في عزلة روحية قسرية تستوجبها طقوس ومراسم الاقتراع السري، حتى وكأنهم بمهاجعهم وأبواب غرفهم أشبه بسجن كبير، تدور بين جنبات أروقته وجنبات أرواحهم مؤامرات وصراعات نفسية ومادية حادة.
كونكليف2024 بعنوانه المعرَّب بـ(الجلسة السرية) لمخرجه ادوارد بيرغر، الحائز قبل عامين على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن فيلمه البديع (كل شيء هادئ على الجبهة الغربية)، تقتحم كاميراه بجرأة وهدوء هذه المرة، أروقة وأسرار الفاتيكان، ليس لنقل الطقوس الأكثر غموضاً وسرية لآليات انتخاب الباباوات الجدد فقط، بل ليكشف لنا أن هذا المجمع الذي ينظر له العالم بهيبة ووقار لقدسيته الخاصة، ليس أكثر من مكان تدور تحت قبته معارك سياسية حقيقية، أبطالها وإن كانوا رجال دين، إلا أنهم في النهاية بشر لهم طموحاتهم وأجنداتهم، يخطئون ويتحزبون ويتآمرون ويديرون لعبة صراع على السلطة الروحية بأدوات سياسية خالصة كأي صراع سياسي في العالم.
كونكليف الذي كتب له السيناريو بيتر شتراوغان مقتبساً عن رواية بالاسم ذاته للبريطاني روبرت هاريس 2016، فيلم دبجت فيه مدائح نقدية عالمية وسماه المجلس الوطني للمراجعة ومعهد الفيلم الأميركي أحد أفضل عشرة أفلام لعام 2024، إضافة إلى ارتفاع عائداته التي فاقت حتى اليوم 116 مليون دولار رغم ميزانيته الصغيرة التي لم تتجاوز 20 مليون دولار. كسر توقعات معجبيه ولم يحصد سوى جائزة أفضل سيناريو مقتبس في الدورة الأخيرة لحفل الأوسكار 2025، وهو أمر لا يبدو مستغربا في الواقع، إذ أن المدقق في بنية الفيلم الاشكالية، سيكتشف بنفسه أسباب إحجام حفل عالمي مثل حفل الأوسكار عن التورط في تبني أفكار دينية مغايرة طرحها الفيلم يمكن لها بأقل تقدير أن تثير زوابع دينية سياسية وتقلب الطاولة، ليس في أميركا فقط، بل بما يعنيه الفاتيكان من مرجعية دينية يتبع لها مليار ونصف من المؤمنين المتنوعين في أثنياتهم وأعراقهم وجنسياتهم.
إذ أن أفكاراً دنيوية إشكالية، بل قضايا إشكالية كبرى ترسم الصراع الدرامي هنا، يتجاذبها تياران أولهما يميني متشدد محافظ وعنصري يريد أن يستعيد الكنيسة الناطقة بصلواتها باللاتينية إلى(روما) وما كانت عليه. والثاني ليبيرالي منفتح على الحياة والعصرنة بمفاهيمها العريضة مثل الإلحاد واحترام الأديان الأخرى واختلاف العقائد وقضايا المثليين والطلاق وتحرير الحياة الجنسية للعائلة المحافظة وحقوق ومكانة والدور الذي يجب أن تلعبه المرأة، وهو النهج الذي سيموت عليه البابا (في الفيلم) أو نهج الثورة التي عمل على تغذيتها الفاتيكان منذ ما يقارب الستين عاماً.
تياران متنافسان، هما في الواقع، انعكاس وصورة مصغرة لما يحدث تقريباً في العالم السياسي المنقسم بين قطبي اليمين المتشدد وبين اليسار وما بينهما. إذ يعتبر التيار الكهنوتي المتشدد هنا أن المثليين على سبيل المثال، يجب أن يزجوا جميعا في السجون خلال حياتهم، ويتم إرسالهم إلى الجحيم في الحياة الأخرى. كما ينظر إلى المرأة بوصفها درجة ثانية، وهو ما ستظهر عليه حقيقة في الفيلم، فالأخوات هنا هن فقط لشؤون خدمة الكرادلة، من شؤون تنظيف وطهي طعام وإدارة بعض الأمور الإدارية، لا حقوق قيادية لها ولا سلطات. وهو استعصاء ستكسر حلقته الأخت أغنيس، كبيرة الأخوات الذي لعبته باقتدار(إيزابيلا روسليني نجمة لانكوم الجميلة) باختراق ناعم لمجتمع الذكور الكرادلة، تؤكد أهمية دور الأخوات الصامت والمراقب في حفظ تماسك هذا المكان المقدس وإن جاء من الخلفية، وتلمح إلى تغييرات واعدة يفرضها تطور العصر يعيد للمرأة مكانتها والتي قد تصل بها إلى كرسي الفاتيكان في يوم ما.
وهو ما ألمحت إليه صراحة الخاتمة المفاجئة غير المتوقعة التي سيخرج الدخان الأبيض في إثرها، بانتخاب مطران كابول، وهو مكسيكي الأصل، راعي أبرشية كابول في أفغانستان، خدم في بغداد، وأنشأ مشفى للنساء المعنفات وضحايا الابادة الجماعية في فيراكروز- الكونغو. كاردينال سيظهر بشكل مفاجئ بعد أن يتبين أن البابا استدعاه لسبب ما قبل وفاته، وسيحسم الصراع بين الطرفين بوصفه صوتاً ثالثاً ينتمي للرهبنة الحقيقية غير المادية، ينحاز إلى القيم الروحية الأصيلة من محبة لامتناهية وتسامح وانفتاح على الآخر ونبذ التعصب ونبذ خطاب الكراهية. كاردينال مفاجأة بكافة المعايير في مسيرته الاستثنائية بين محطات ساخنة مثل بغداد وكابول والكونغو، ورجل كامل الذكورة مع رحم ومبيضين يرفض استئصالهما لأن الرب هو من وضعهما فيه، في رسالة مباشرة من المؤلف أن العالم (الروحي على الأقل) سيكون أجمل حين تحكمه قبضة رجل ممتلئ بالرحمة.
اليوم، وعقب وفاة الباب فرنسيس في الواحد والعشرين من شهر نيسان/أبريل الجاري، يعود فيلم كونليف إلى الواجهة بقوة (ترند)، يستعاد لمعانيه العميقة كدرس روحي وسياسي، لإعادة متابعة طقوس الاقتراع المشابهة التي ستصوت لأجل انتخاب بابا جديد بعد أيام. لعودة التمنيات بانتخاب بابا جديد يشبه قدر الإمكان البابا الراحل فرنسيس الاستثنائي في تاريخ الكنيسة بنبذه للعنف والانفتاح على الآخر والمسامحة وبتجديده للفكر والخطاب الديني فيما يشبه ثورة حقيقية تحققت داخل المجمع المقدس.
تجديد الخطاب الديني للمؤسسات الدينية بانعكاساته السياسية والمجتمعية لا يحتاجه العالم الغربي فقط، بل هو مطلب مشتهى لكل الخطابات الدينية الأخرى المستعصية على الانفتاح والتجديد، والتي يلقى المطالبون بتجديدها التكفير والقتل. لأن ” الايمان حيّ ويسير جنباً إلى جنب مع الشك” كما يؤكد كبير الأساقفة في أمنياته للمرشحين لاعتلاء الكرسي الرسول الأعظم، مضيفاً:” لو لم يكن هناك شك لما كان هناك غموض. والخطيئة هي اليقين. إذ أن اليقين هو العدو الأكبر والعدو القاتل للوحدة والتسامح، حتى إن المسيح عليه السلام لم يكن متيقناً وصرخ من الصليب: إلهي إلهي.. لماذا تخليت عني؟”.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 25 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










