لم يكن قرار ياسر الإبراهيم (45 عاماً) في العودة إلى بيته بعد سنوات من النزوح في مخيمات إدلب شمال سوريا، صائباً بعد أن تحوّل حلم العودة إلى كابوس عندما فقد زوجته إثر وعكة صحية مفاجئة أودت بحياتها نتيجة تأخر عملية إسعافها التي استغرقت حوالي ساعة ونصف، لتتوفى بعد توقف قلبها.
اقرأ أيضاً: هل عاد النازحون من مخيمات شمال غرب سوريا إلى مناطقهم؟ – 963+
ءودة خطيرة
وقال الإبراهيم في العدد الثامن من صحيفة “963+”، “ظننت أن الحرب انتهت لكن المعاناة لم تنته” في إشارة منه إلى حجم الألم الذي أصابه عندما علم بأن وصول زوجته المتأخر إلى المشفى كان السبب المباشر لوفاتها، إذ أن أقرب مركز طبي يبعد عن بلدته حاس الواقعة جنوب محافظة إدلب 50 كيلو متراً، وهي مسافة لم تكن كافية لإنقاذ حياة زوجته التي فقدها وفقد معها شغف العودة إلى بيته وأرضه.
وأضاف: “لقد اتخذت قرار العودة إلى بلدتي المدمر معظمها، بعد خمس سنوات من النزوح والتشرد في المخيمات المهترئة، ولكن سرعان ما اصطدمت بواقع صعب نتيجة غياب كافة المراكز الخدمية ومن ضمنها العيادة الصحية الوحيدة في القرية التي لم يعد فيها سوى جدران محترقة ومدمرة”.
عاد ياسر الإبراهيم وعائلته إلى المخيم، حيث توجد على الأقل عيادات ومراكز طبية وخدمات إسعاف أولية، يقول: ” نريد العودة، لكن كيف نعود إلى مكان لا نستطيع فيه إنقاذ أنفسنا؟”.
قصة الإبراهيم لم تكن الوحيدة خلال الأشهر الماضية، فالكثير من النازحين الذين حاولوا العودة إلى قراهم بريفي إدلب وحماة، وجدوا أن غياب الخدمات الأساسية، وخاصة الطبية، تجعل العودة مستحيلة.
ويعاني آلاف النازحين من صعوبات كبيرة تحول دون عودتهم إلى مناطقهم، حيث أن غياب الخدمات الطبية والصحية تدفعهم إلى البقاء في المخيمات شمال غربي سوريا التي تتوافر فيها خدمات نسبية أكثر من بلداتهم ومدنهم المدمرة جراء المعارك وعمليات القصف الجوية والبرية خلال السنوات الماضية.
نزوح جديد
بعد أقل من شهر على عودته إلى بلدة كفرنبودة شمالي حماة، اضطر خالد الطعوم (28عاماً) للعودة إلى مخيمات بلدة روحين شمال إدلب، بعد أن تدهورت حالة ابنته الصحية وعدم قدرته على متابعة أوضاعها في بلدته المدمرة.
وقال خالد في العدد الثامن من صحيفة “963+”، إن ابنته الصغرى أصيبت بالتهاب رئوي حاد في مراحل متأخرة بسبب انقطاعها عن العلاج الناتج عن عدم قدرته على تأمين الأدوية المخصصة لافتقار المنطقة للصيدليات والمراكز الصحية.
وأضاف: “اضطرت للعودة إلى المخيمات بعد غياب الحلول المتاحة أمامي، إذ أن جميع المحاولات لتأمين أدوية ومراجعات طبية لطفلتي بائت بالفشل، خاصة وأن أقرب نقطة طبية تبعد عن منزلي أكثر من 30 كيلومتراً”.
وأشار إلى أن السكان في شمال غرب سوريا الذين يعودون إلى مناطقهم بعد سقوط النظام المخلوع “يقتلون بصمت”، عبر غياب الخدمات والمراكز الطبية، متسائلاً عن دور الجهات الحكومية والصحية وغيابها عن واقع المنطقة الذي وصفه بـ ” القاسي والصعب”.
وتعرضت معظم المراكز الطبية في أرياف إدلب وحماة للتدمير الكلي أو الجزئي بسبب القصف والاشتباكات، بينما تعاني تلك التي ما زالت قائمة من نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية والكوادر المؤهلة.
ومطلع العام الماضي، قالت منظمة الصحة العالمية، في بيان لها، إن النظام الصحي في شمال غربي سوريا قد “تعطل بشدة”، بعد سنوات من الصراع والكوارث الطبيعية، بالتزامن مع وقف الدعم عن عشرات المنشآت الصحية. وأكدت إن عدد المحتاجين للخدمات الصحية في سوريا وصل إلى 15.3 مليون شخص.
اقرأ أيضاً: فيديوهات توثق.. انتهاكات خطيرة بحق سوريين بتل رفعت والشهباء – 963+
أوضاع صعبة
ويقول مصطفى عبد الستار (35 عاماً) وهو نازح من مدينة كفرنبل جنوبي إدلب، “لا يكفي أن تتوقف الحرب، يجب أن تكون هناك مستشفيات، مدارس، ومياه نظيفة، بدون ذلك، العودة مجرد مغامرة قد تكلّف الأرواح”، ويضيف لـ”963+”: “حال معظم النازحين الذين آثروا البقاء في المخيمات التي تشهد أوضاعاً صعبة ومأساوية، مقابل العودة إلى منازلهم وبلداتهم التي تفتقد لجميع مقومات الحياة الأساسية”.
ويتابع، “المنطقة الجنوبية لمحافظة إدلب، تفتقر بشكل كبير إلى الخدمات الصحية والطبية التي تكاد تكون معدومة، وهو ما يعمق الحالة الإنسانية الصعبة التي يعيشها مئات آلاف النازحين، إذ أن العودة بدون خدمات طبية هي مجرد استبدال معاناة بأخرى”.
ويؤكد عبد الستار، أن كافة المناطق التي سيطر عليها النظام المخلوع أواخر العام 2019 بريفي إدلب وحماة تفتقر للخدمات الصحية والطبية، بالتالي فإن بقاء هذه المراكز دون تحسين سيجبر آلاف النازحين على تحمل آثار وتبعات النزوح لسنوات طويلة قادمة أيضاً.
حلول عاجلة
يشير محمد العلي، مدير قسم الإسعاف المركزي بمدينة معرة النعمان جنوبي إدلب، إلى أن غياب الخدمات الصحية لا يهدد حياة السكان فحسب، بل يُطيل أمد معاناة النازحين ويفاقم الأزمة الإنسانية دون حلول جذرية وعاجلة، إذ أن آلاف العائلات ستعيش بعيدًا عن ديارها، عالقة بين مخاطر النزوح ومخاطر العودة إلى مناطق بلا حماية طبية.
وأضاف لـ”963+”، أن إعادة تأهيل البنية التحتية الصحية وترميم المراكز الطبية المدمرة وتجهيزها ولو بشكل جزئي، بالإضافة لإنشاء عيادات متنقلة في القرى النائية، فضلاً عن توفير سيارات إسعاف مجهزة، هي خطوات ضرورية من شأنها تخفيف المشكلة وتلاشي آثارها الكارثية على السوريين في تلك المناطق.
كما أكد على أهمية توفير سبل العلاج الذي يعتبر حق مشروع للمواطن وشرط أساسي لإعادة الحياة إلى هذه المناطق المنكوبة، التي باتت تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الأوبئة والوفيات بسبب غياب الخدمات الطبية من جهة، وعدم قدرة السكان على اللجوء للمشافي الخاصة والمأجورة من جهة أخرى.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 25 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










