يسطع حالياً مستقبل الأكراد في سوريا كواحدٍ من أهم الملفات التي تعيد تشكيل النظام الإقليمي، فبين التهديدات التركية المستمرة، والعلاقات الحساسة مع الحكومة السورية الانتقالية، والاعتماد على الدعم الأميركي، يواجه الأكراد تحديات كبيرة تتطلب منهم مرونة استراتيجية وتحالفات إضافية لضمان حقوقهم وتعزيز دورهم في سوريا الجديدة.
في ظل التفاعلات والتعقيدات المحورية، وبما أن الأكراد السوريين هم في الأصل جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي لسوريا، فلا بد أن يتحركوا كلاعب رئيسي والمساهمة الفاعلة في ضبط وتعريف هوية سوريا المستقبل.
داخل البيت الكردي السوري، ما زال الأكراد يواجهون تحديات كبيرة تتمثل في الانقسامات السياسية والعسكرية بين حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الحزب المؤسس الرئيسي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقواتها العسكرية قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والمجلس الوطني الكردي المدعوم من إقليم كردستان العراق. هذه الانقسامات تمثل اختلافات جوهرية في الرؤى المستقبلية حول كيفية إدارة المناطق الكردية ودورها ضمن سوريا الموحدة، وبغياب خطاب سياسي كردي موحد، يضعف موقف الأكراد التفاوضي وقدرتهم على تقديم مشروع وطني شامل يخدم قضيتهم. لكن رغم هذا كله يحاول كلا الطرفين الوصول لاتفاق استثنائي من خلال مؤتمر قومي كردي يعقد اليوم في مدينة القامشلي وهو ما قد يؤدي لتعزيز دورهم في البلاد إذا ما تمكنا من الوصول لاتفاقٍ نهائي بينهما.
وإذا نجح الأكراد السوريون في توحيد صفوفهم وبناء علاقة قوية مع المكونات الأخرى في سوريا، فقد يصبحون نموذجاً يُحتذى به لإظهار إمكانية التعايش السلمي ضمن سوريا الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، هذا التعاون قد يعزز أيضاً العلاقة مع إقليم كردستان العراق ويخلق شراكة استراتيجية أكبر، رغم أن هذا الدعم غير مضمون دائماً بسبب الاختلافات الإيديولوجية والسياسية التي تربط الإقليم بالحكومة المركزية في بغداد والقوى الإقليمية مثل تركيا وإيران، إلا أن ظهور القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي مع رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني يوحي بثمة تغييرٍ كبير في تعاطي أربيل مع أكراد سوريا خاصة أن هذا اللقاء تزامن مع اجتماعٍ آخر ضم عبدي ووزير الخارجية الفرنسي.
على الصعيد الإقليمي، تمثل تركيا العقبة الأكبر أمام طموحات الأكراد في الحكم الذاتي، فأنقرة تعتبر وحدات حماية الشعب (YPG)، العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية، امتدادا لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تصنفه كمنظمة إرهابية، والذي يجعل تركيا تعارض بشدة أي شكل من أشكال الحكم الذاتي للأكراد، خاصة إذا شعرت أن هذا الحكم قد يؤثر على أكراد تركيا، وبالتالي، يواجه الأكراد في سوريا عقبات إقليمية كبيرة إلى جانب دعم دولي غير مضمون، لذلك، ومن وجهة نظري، فإن سيناريو الاستمرار في التعامل مع تركيا عبر القوة العسكرية واستمرار اعتبار الأكراد تهديداً لأمنها القومي سيجعل تحقيق الاستقرار أمرا صعبا، أما إذا نجحت الضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة، في تهدئة التوترات التركية-الكردية، فقد يتحقق نوع من التعايش المؤقت، لكنه سيكون هشا ومعلقا بمزاج السياسة الأميركية تحت إدارة ترامب أو أي إدارات مستقبلية.
الولايات المتحدة كانت ولا تزال الحليف الرئيسي للأكراد في سوريا، خاصة في الحرب ضد تنظيم “داعش”، ومع ذلك، فإن هذا الدعم مشروط وغير مضمون على المدى الطويل، خاصة مع تغير السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، من المرجح أن تستمر واشنطن في تقديم دعم محدود للأكراد في مناطق الاستقرار مثل كوباني والقامشلي والحسكة، لضمان استمرار مكافحة الإرهاب وحماية المصالح الأميركية في المنطقة، لكن إذا قررت واشنطن تقليص وجودها العسكري في سوريا، فقد يجد الأكراد أنفسهم مجبرين على البحث عن حلفاء جدد، مثل روسيا لمواجهة التهديد التركي، مع أن هذا الخيار يبدو بعيد المنال إلى حد كبير في ظل التعقيدات الحالية.
بالنسبة لروسيا، فإنها كما نعلم، تتعامل مع الأكراد بحذر شديد، حيث أنها تسعى لتحقيق توازن بين مصالحها مع تركيا والنظام السوري الجديد، وقد تلعب روسيا في المستقبل دور الوسيط المحتمل في حال تدهورت العلاقات التركية-الكردية أو بين الأكراد والحكومة السورية، ولنتذكر أن دعم روسيا للأكراد لن يكون مجانيا يوماً ما وسيتطلب تنازلات سياسية.
في الجانب الإيراني، فإن تراجع نفوذ إيران في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 قد يقلل من الضغوط الإيرانية على الأكراد، لكنه لا يعني نهاية التهديدات، إذ لا تزال إيران ترى في الحكم الذاتي الكردي خطراً محتملاً على أكرادها المحليين، وتخشى أن يؤدي ذلك إلى موجة جديدة من المطالبة بالحكم الذاتي داخل حدودها.
مناقشة السيناريوهات المستقبلية للأكراد كإمكانية تحقيق حكم ذاتي ضمن دولة سورية لامركزية، يبدو متعجلا في هذا التوقيت، لأن استمرار الضغوط التركية حاليا في معارضة أي شكل من الحكم الذاتي الكردي، قد يتسبب بالمزيد من النزاع والتصعيد العسكري، وقد يعقد جهود الأكراد لتحقيق الاستقرار، وأيضاً، في حال تقليص الدعم الأميركي، قد يضطر الأكراد إلى توثيق علاقاتهم الحكومة السورية للمحافظة على مكتسباتهم الحالية مع ضرورة تحقيق تكامل مع المكونات الأخرى في سوريا، وبما يضمن إدارة محلية لشؤون الثقافة والصحة والأمن المحلي مع الاندماج في الجيش السوري، وايجاد حل جذري عادل ومبتكر لشؤون التعليم والمناهج التربوية. أي تطوير الاتفاقية المبرمة في مارس الماضي بين قائد “قسد” والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع.
علينا أن نتذكر أيضاً أن الأكراد ليسوا هم المكون الوحيد في شمال وشرقي سوريا، حيث تتواجد مجموعات عربية وسريانية ومكونات أخرى تمثل أقليات أصغر كالأرمن والشركس، لذلك فإن بناء علاقات إيجابية ومتناغمة مع هذه المكونات سيكون أمراً حاسماً لضمان استقرار مناطقهم وتعزيز شرعيتهم المحلية، وأي فشل في تحقيق هذا التكامل قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الطائفية والإثنية ويعيد الجميع إلى المربع الأول.
دعونا نتفق أن مستقبل الأكراد في سوريا يعتمد بصورة أساسية على قدرة الأكراد أنفسهم بتوحيد صفوفهم، وبناء تحالفات محلية وعربية ودولية، والتكيف مع التوازنات الإقليمية المتغيرة، وأنه رغم التحديات الكبيرة، فإن مرونة الأكراد وخبرتهم في إدارة الأزمات تعزز فرصهم في تحقيق تقدم ملموس نحو الاستقرار والاعتراف بحقوقهم في سوريا الجديدة.










