فتح اعتقال الأمن العام التابع لوزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية لقياديين فلسطينيين اثنين، الباب أمام الحديث عن إمكانية استجابة الإدارة الانتقالية لمطلب الولايات المتحدة بإخراج الفصائل الفلسطينية من البلاد، كأحد الشروط لرفع العقوبات عن سوريا، في ظل تعقيدات المشهد السوري وتهديدات إسرائيل وتوغلاتها المتكررة، ومخاوفها من أن “تتحول الأراضي السورية لملاذ لعناصر وقيادات تلك الفصائل”.
كشفت مصادر فلسطينية يوم الإثنين الماضي، أن قوات الأمن في وزارة الداخلية السورية اعتقلت مسؤول حركة “الجهاد الإسلامي” في سوريا خالد خالد، ومسؤول اللجنة التنظيمية للساحة السورية في الحركة أبو علي ياسر، وذلك بعد أقل من 48 ساعة على زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لدمشق، ولقائه رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، بسحب ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ).
اقرأ أيضاً: عباس في دمشق: زيارة بروتوكولية أم تحوّل استراتيجي في علاقات السلطة الفلسطينية؟
وفيما أكدت “سرايا القدس” الجناح العسكري لحركة “الجهاد الإسلامي” اعتقال القياديين في الحركة على يد الأمن العام في الحكومة السورية الانتقالية دون معرفة الأسباب، ذكرت الوكالة الألمانية عن المصادر، أن “تحركات كبيرة من قيادات فلسطينية وعربية داخل سوريا وخارجها لدى السلطات السورية للإفراج عن القياديين الفلسطينيين”.
“اعتقالات تجريبية”
وحركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية تنشط في سوريا منذ عقود إلى جانب 12 فصيلاً آخر، ولم تغادر بعد سقوط نظام بشار الأسد مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي، باعتبارها لم تقاتل إلى جانبه مثل فصائل أخرى غادرت البلاد، وتعرضت مقار عديدة لها لغارات وقصف إسرائيلي عدة مرات.
يقول الكاتب والسياسي السوري والنائب لرئيس “الائتلاف الوطني السوري” سابقاً موفق نيربية، إن “الاعتقالات للقياديين الفلسطينيين هي تجريبية تتعلق بإسرائيل والولايات المتحدة لأن الطرفين مهتمان من خلال حرب غزة بمآلات وتحركات حركة الجهاد الإسلامي وحماس في الفضاءات المحيطة بفلسطين”، مضيفاً خلال تصريحات لموقع “963+”، أن “هذه الاعتقالات قد تترافق مع طلب لاحق غير مؤكد بنزع السلاح إن وجد، ولن تصل لحد الإبعاد”.
اقرأ أيضاً: بين أنقرة وتل أبيب.. لقاء مشحون ينعكس إيجاباً على سوريا
من جانبه، يعرب رئيس تجمع الشخصيات الفلسطينية المستقلة بالضفة الغربية خليل عساف، عن أمله بأن “لا تتوسع الاعتقالات للقيادات الفلسطينية في سوريا، التي هي في نظر الشعب الفلسطيني من وقفت معه ومع قضيته، مع الإدراك أن الضغوط الإسرائيلية والأميركية كبيرة لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى”.
ويشير خلال تصريحات لموقع “963+”، إلى أن “العلاقة بين سوريا وفلسطين يجب أن تبنى على الأخوة، وألا ترضخ سوريا للضغوط الأميركية الإسرائيلية لإخراجها من دورها العربي المهم”.
ويندرج “إبعاد الفصائل الفلسطينية من سوريا ووقف نشاطها هناك، ومنعها من جمع الأموال”، ضمن الشروط التي فرضتها الولايات المتحدة على الحكومة السورية الانتقالية من أجل رفع العقوبات، بحسب ما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” قبل أيام.
تغير السياسة واستراتيجية جديدة
ويعتبر الكاتب والمحلل السياسي وعضو مجلس إدارة جمعية الشؤون الدولية منذر الحوارات، أن “اعتقال قياديين فلسطينيين في دمشق، هو مؤشر على تغير السياسة تجاه الفصائل الفلسطينية بعد سقوط النظام ونتيجة لضغط أميركي غربي، كما أن تنفيذه بعد زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لدمشق، ولقائه رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، يوحي بأنه جزءاً من استراتيجية وخطوة أولية نحو تحجيم نشاط هذه الفصائل”.
لكنه يقول لموقع “963+”، إن “الخطوة قد تكون ذات طابع اختباري، لكي تقيس الإدارة السورية ردود الفعل في الداخل السوري وفي المنطقة العربية”، مشيراً إلى أن الاعتقالات إبعاد الفصائل الفلسطينية قد تثير استياء نحو نصف مليون لاجئ فلسطيني في سوريا، وتقود لتوترات اجتماعية، كما أن هذه الفصائل كانت تضبط بالتعاون مع النظام السوري السابق الحراك الشعبي الفلسطيني كما يريد النظام، وفي حال إبعادها ستحدث حالة من الفراغ”.
اقرأ أيضاً: نزع سلاح “حزب الله”.. ثلاثة سيناريوهات مرّة
تقية إسلامية أم عربون؟
فيما يشير الصحفي والمستشار في العلاقات الدولية علي يحيى المقيم بالعاصمة اللبنانية بيروت، إلى أن “الاعتقال إما أن يكون شكلياً أو ما يمكن تسميته بالتقية الإسلامية على قاعدة مكره أخاك لا بطل، تسهيلاً لعمل اللوبي السوري الذي يسعى لرفع العقوبات الأميركية عن سوريا، قبل أن يتم الإفراج عن القياديين لاحقاً، أو أن يكون عربوناً يمكن أن يساهم في دمج النظام السوري الجديد في منظومة الدول الإقليمية المرضي عنها”.
ويؤكد أن ما “يدعم الخيار الثاني هو أن الاعتقال جاء بعد مصادرة سلاح ومعسكرات الفصائل الفلسطينية، ولقاء عضو الكونجرس الأميركي كوري ميلز بالشرع في دمشق، ونقله عنه انفتاحه على تحسين العلاقات مع إسرائيل وقبلها ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن مطالبة واشنطن دمشق بمنع الفصائل الفلسطينية من العمل وطرد أعضائها مقابل رفع جزئي للعقوبات”.
وتعرضت مقار عديدة لحركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية في العاصمة السورية دمشق لغارات وقصف إسرائيلي عدة مرات، كان آخرها في 13 آذار/ مارس الماضي، حين تعرض منزل أمين عام الحركة، زياد نخالة، لقصف صاروخي إسرائيلي.
ويشدد الحوارات على أن “الإبعاد سيفقد الفصائل الفلسطينية قاعدة عمليات مهمة، لكنه يفقد سوريا ورقة مهمة كان يستخدمها النظام السابق للمساومة في المشهد الإقليمي والدولي، وسيؤدي أيضاً إلى تغير التوازنات السياسية من حيث إضعاف إيران، مقابل تعزيز نفوذ تركيا أو الولايات المتحدة الأميركية”.
لا تحرك شعبياً
ويلفت يحيى، إلى أنه “في حال استمرت السلطات السورية بتحركاتها ضد الفصائل الفلسطينية، فإنه من غير المتوقع أن يكون هناك رد فعل شعبي لأن معظم السوريين مستنزفين بشكل كبير وأولوياتهم تتعلق بالأمن والمعيشة، في حين أن الحاضنة المؤيدة للسلطة الجديدة لا زالت في نشوة الانتصار، ما سيدفعها لتأييد أي قرار صادر عنها”.
وبحسب نيربية، فإن “رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع لا يحتاج إلى تعقيدات إضافية، وهو يعطي كل التطمينات لإسرائيل بأنه جاهز للتعامل مع الاتفاقيات الإبراهيمية، لكنه يريد تغيير الشروط الأميركية خاصةً ما يتعلق بالمقاتلين الأجانب الذين اقترح تجنيسهم”.
ومن أبرز الفصائل الفلسطينية التي تنتشر في سوريا، “تحالف القوى الفلسطينية” الذي يضم عشرة فصائل تتصدرها “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، إضافةً لكل من “جبهة النضال الشعبي الفلسطيني”، و “منظمة الصاعقة”، و “الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري”، و”الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين”، وحركة “فتح الانتفاضة”، و”جبهة التحرير الفلسطينية”، إضافةً لحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”.
وإلى جانب هذه الفصائل تنشط أيضاً، “منظمة التحرير الفلسطينية” (حركة “فتح) التي تمثل السلطة الفلسطينية الحالية برئاسة محمود عباس، إضافة لبعض الفصائل الأخرى.
يشار، إلى أنه ومنذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011، اختارت بعض الفصائل الفلسطينية الوقوف إلى جانب النظام المخلوع وخاضت معارك معه كـ”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة”، فيما اختارت فصائل أخرى الوقوف على الحياد.










