كثّفت إسرائيل قصفها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية خلال الأسابيع الأخيرة، وشنت غارات وصفت بالأعنف على مواقع عسكرية في دمشق وحماة وحمص، رغم خروج إيران والفصائل المدعومة منها من سوريا وضعف الحكومة السورية الجديدة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ما يفتح الباب لاحتمالات عديدة بشأن التصعيد العسكري، خاصةً بعد إبداء تل أبيب مخاوفها من نفوذ تركيا في البلاد، حيث تحدثت تقارير عديدة مؤخراً عن نيتها اتخاذ مواقع عسكرية بالبادية السورية كقواعد لها.
وشنت مقاتلات إسرائيلية مطلع نيسان/ أبريل الجاري غارات جوية عنيفة على مواقع عسكرية بالعاصمة السورية دمشق ومحافظتي حمص وحماة وسط البلاد، بما في ذلك مطار حماة العسكري.
وطالت الغارات مطار “تي فور” بريف حمص الشرقي، ومركز البحوث العلمية في منطقة برزة بالعاصمة دمشق، كما نفذت قوات إسرائيلية توغلاً برياً في حرش سد الجبيلية الواقع بين مدينتي نوى وتسيل بريف درعا الغربي، جنوبي البلاد واشتبكت مع سكان محليين ما أسفر عن مقتل 11 شخصاً وإصابة آخرين بينهم نساء وأطفال.
اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يقيم حواجز جديدة ويعتقل شخصين جنوبي سوريا – 963+
شعور بالفراغ
منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بدأت إسرائيل هجمات جوية مكثفة بمناطق متفرقة من سوريا، وتوغلات برية متكررة في أرياف القنيطرة ودرعا جنوبي البلاد، وتحدثت تقارير عن إنشائها 7 مواقع عسكرية دائمة في المناطق التي دخلتها خارج المنطقة العازلة مع سوريا، ما أثار مخاوف إقليمية ودولية من زعزعة الاستقرار داخل البلاد وعلى المستوى الإقليمي وعودة دوامة العنف.
أكد الكاتب السوري حسن النيفي، المقيم في فرنسا، في تصريحات بالعدد السادس لصحيفة “963+” أن “التصعيد الإسرائيلي الذي بدأ بعد هروب بشار الأسد، يعكس شعور إسرائيل بفراغ أمني تركه نظام الأسد البائد، ومحاولة الإسراع بهندسة جديدة للأمن القومي الإسرائيلي كما تدعي تل أبيب تقوم على أمرين، الأول استخدام السطوة العسكرية خاصةً في ظل غياب توازن القوى مع الدولة السورية الضعيفة عسكرياً واقتصادياً، والثاني هو التهرب من اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974، وخلق واقع جديد على الأرض وفقاً لما تراه تل أبيب”.
وقال: “ما تريده إسرائيل من سوريا يمكن اختزاله في أمرين أساسيين، هما إبقاؤها دولة فاشلة ضعيفة عسكرياً واقتصادياً وتعاني من تشظي مجتمعي ونزاع أهلي، وبذلك تضمن بقاء سوريا دولة مهلهلة خاضعة عل الدوام لسطوة القوة الإسرائيلية، ومحاولة الإبقاء على سيناريو تقسيم سوريا من خلال محاولات مغازلة الأكراد والدروز، بذريعة الحفاظ على حقوقهم ونصرتهم من الظلم الواقع عليهم، ومحاولة الدفع باتجاه إقامة كانتونات على أساس عرقي أو ديني بدلاً من سوريا الدولة الواحدة”.
إسرائيل الكبرى وممر داوود
لفت أحمد الزين، الباحث في الشؤون الاستراتيجية والاقتصاد السياسي، والمقيم في لبنان، إلى أن مخطط إسرائيل الكبرى، الممتد من الفرات إلى النيل، “بدأ أيضاً بما يُعرف بممر داوود الذي يتم الحديث عنه والممتد من فلسطين إلى سوريا والعراق، وهو ما كانت تسعى إليه إسرائيل مع الولايات المتحدة منذ عقود”.
وأكد الزين في العدد السادس من صحيفة “963+” أنّ من غير المتوقع رؤية تطور في العلاقات بين إسرائيل وسوريا قريباً، وما يقال عن قرب عملية سلام بين الطرفين “لا يعدو كونه كلاماً إعلامياً، فبعد الانتصارات العسكرية التي حققتها إسرائيل في لبنان، والمذابح التي تنفذها في قطاع غزة، ها هي تسعى للسيطرة على هذه المناطق”.
ويستبعد النيفي أي تفاهم بين الحكومة السورية الجديدة وإسرائيل، في ظل غياب ميزان قوى متكافئ، “فإسرائيل لا تسعى إلى الاستقرار والأمن كما تدّعي، بل إلى المزيد من الهيمنة والتمدد، كما أن الحكومة الجديدة ليست في حالة دستورية مستقرة أو دائمة تتيح لها عقد تفاهمات أو اتفاقيات دولية من هذا النوع”.
اقرأ أيضاً: مجلس الأمن الدولي يعقد جلسة لبحث التصعيد الإسرائيلي في سوريا – 963+
دون المستوى
الغارات والتوغلات الإسرائيلية المتكررة والتي تقابل بتنديد عربي وإقليمي ودولي، يوازيها صمت من قبل الولايات المتحدة أحد أبرز مهندسي اتفاقية “فض الاشتباك” الموقعة بين سوريا وإسرائيل عام 1974 بإشراف الأمم المتحدة، فيما يقول محللون إن موقف الحكومة السورية الجديدة وتنديدها بهذه الهجمات يبدو خجولاً ولا يرقى إلى مستوى الخطر الذي تشكله، وسط مطالبات بضرورة تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي.
ويعتقد النيفي، أن الخيار الأمثل بالنسبة إلى سوريا، والذي يبدو متاحاً في الوقت الراهن، “هو العمل على ممارسة ضغط دولي كبير لردع إسرائيل عن عدوانها، وعلى وجه التحديد من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للخروج من صمتها، وإعلان موقف واضح حيال الهجمات الإسرائيلية المستمرة، فهي الجهة الوحيدة القادرة على لجم إسرائيل”.
وتعليقاً على التوتر بين أنقرة وتل أبيب في سوريا، يشير النيفي إلى أنه مسألة مفتعلة ومبالغ فيها، “فتصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كانت واضحة حين أشار إلى عدم رغبة بلاده في خوض مواجهة مع إسرائيل، إلا أن الأخيرة قد ترى العزف على وتر توغل تركي مناهض لها يعد أمراً يخدم أجنداتها ويعطيها ذريعة لاستمرار هجماتها”.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد وجّه مطلع نيسان/ أبريل الجاري تحذيراً شديد اللهجة لرئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، محذراً إياه من “مغبة السماح بدخول قوات معادية لإسرائيل إلى سوريا”، ما فهم حينها أنه إشارة إلى تركيا التي تقول تقارير إنها تعتزم اتخاذ مطار “تي فور”، الأكبر في سوريا والموجود في منطقة البادية، قاعدة عسكرية لها إلى جانب قواعد أخرى في مناطق سورية مختلفة.
نشرت هذه المادة في العدد السادس من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 11 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










