يُعد واقع العملة السورية مرآة واضحة للوضع الاقتصادي في البلاد، إذ إن النقاش حول استقرار الليرة لا ينفصل عن الحاجة إلى حلول اقتصادية شاملة تساهم في تحسين الاقتصاد السوري. كما يُنظر إلى الورقة النقدية بوصفها وثيقة وطنية رمزية تعكس صورة البلاد وهويتها، ما يجعل شكلها ومضمونها أداة ذات بعد سياسي واقتصادي في آنٍ واحد.
وشهدت الليرة السورية على مدار السنوات الماضية سلسلة من الانهيارات والتعديلات في شكلها وقيمتها، حتى باتت مختلف الفئات النقدية تحمل صور أفراد من عائلة الأسد، وهو ما جعل من تغييرها مطلباً ملحاً من نواحٍ تقنية وسياسية.
ومع غياب القدرة الإنتاجية المحلية بسبب العقوبات الغربية، اضطرت الحكومة السورية إلى طباعة العملة في الخارج، وتحديداً في روسيا، منذ عام 2017 بعد استبعاد إمكانية الطباعة في دول أوروبية نتيجة للعقوبات التي تعود جذورها إلى ما قبل “قانون قيصر”.
وبحسب تقارير، فقد استلمت دمشق في 14 شباط/ فبراير و5 آذار/ مارس الماضيين شحنتين من الأوراق النقدية المطبوعة في روسيا، بلغ وزن الثانية منها نحو ستة أطنان، وقدّرت قيمتها بنحو 300 مليار ليرة سورية. وأوضحت المصادر أن هذه الشحنات تأتي ضمن اتفاق قديم موقّع قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 بين روسيا والحكومة السابقة، وهو ما يفسر التأخر في وصول دفعات جديدة من العملة.
اقرأ أيضاً: تراجع قيمة الليرة التركية يحرم سكاناً في إدلب من تحضيرات العيد
تحولات محتملة نحو أوروبا
في تطور لافت، أعلن القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي في سوريا، ميخائيل أونماخت، في 16 مارس الماضي، أن طباعة العملة السورية قد تتم مستقبلاً في الاتحاد الأوروبي، بعد قرار تعليق بعض العقوبات على قطاعات حيوية مثل النقل والطاقة والتبادل المالي. كما شمل القرار رفع التجميد عن خمسة كيانات مصرفية سورية، والسماح بتوفير الأموال للبنك المركزي السوري، ما يفتح الباب أمام خيارات طباعة جديدة، أبرزها النمسا.
لكن هذا الانفتاح لا يعني بالضرورة فائدة اقتصادية مباشرة، إذ يرى خبراء اقتصاديون أن استمرار طباعة العملة القديمة دون تبني “ليرة جديدة” سيؤدي إلى هدر المال العام، دون تأثير حقيقي على الاقتصاد الكلي أو تحسين الاستقرار النقدي.
التحالفات السياسية تتحكم بخيارات الطباعة
يؤكد الباحث في الشؤون الروسية، صدقي عثمان، من مدينة كراسنودار الروسية، في حديثه لموقع “963+” أن اختيار الدولة التي تطبع العملة السورية يرتبط أساساً بالتحالفات السياسية.
ويشير إلى أن روسيا تولت طباعة العملة منذ عام 2009 استناداً لعلاقاتها مع دمشق، كما أن تقارير تحدثت عن دور إيراني في طباعة دفعات سابقة بوساطة روسية.
ويرى عثمان أن جدوى الطباعة لا تُقاس بالتكلفة وحدها، بل بالقدرة على تأمين الاحتياطيات الأجنبية والشبكة المصرفية المتاحة. وفي ظل غياب ارتباط سوريا بالشبكات المصرفية العالمية، تضطر الحكومة إلى طباعة العملة في الخارج، وفق احتياجات السوق وحجم الاقتصاد.
وبحسب تقديراته، فإن حجم طباعة العملة يزداد بنسبة 1.5% من السيولة المتداولة، ما يتطلب معرفة دقيقة بالموازنة العامة وخطط الإنفاق، خصوصًا في ظل تغيّر القيادة السياسية.
اقرأ أيضاً: “رسوم ترامب” الجمركية.. كيف ستنعكس على الاقتصاد العالمي
الخيارات المتاحة وتكاليف الطباعة
من جانبه، يوضح المستشار الاقتصادي أسامة قاضي، من العاصمة الكندية أوتاوا، أن آخر دفعة من الأموال التي تسلمها المصرف المركزي السوري جاءت ضمن تعاقد سابق مع روسيا، مرجحًا عدم تجديد هذا التعاقد، وأن تتجه دمشق إلى خيارات جديدة.
ويوضح قاضي في تصريحات لـ”963+” أن طباعة العملة في روسيا تُعد أقل تكلفة، لكنها باتت خياراً غير مرجّح بسبب الاعتبارات السياسية والأمنية. ويضيف أن دولاً عديدة تطبع العملات مثل بريطانيا وألمانيا والإمارات، مشيراً إلى أن الأخيرة طبعَت عملتها المحلية مؤخرًا بمواصفات عالية تضمن مقاومتها للماء والتزوير.
ويؤكد قاضي أن الطباعة مكلفة بسبب جودة الأحبار والأوراق والرموز الأمنية المستخدمة، ما يدفع الدول لاختيار مطابع ذات تقنية عالية، شرط أن تكون صديقة سياسيًا. ويقترح أن تلجأ سوريا إلى دولة شقيقة تطبع دفعة مؤقتة من فئة 5 آلاف ليرة لمعالجة مشكلة السيولة وضبط عمليات التزوير، مع إمكانية تقسيط تكاليف الطباعة على ثلاث دفعات سنوية.
وكان أديب ميالة حاكماً لمصرف سوريا المركزي من 2006 حتى 2016 ثم وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية حتى عام 2017. ويحمل ميالة الجنسية الفرنسية منذ عام 1993 ويعيش في فرنسا، اتهم في كانون الأول/ديسمبر 2022 بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، وغسل عائدات هذه الجرائم والمشاركة في مؤامرة لارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
هل نحن أمام ليرة جديدة؟
بحسب قاضي، فإن المرحلة الحالية تفرض على الحكومة التفكير جديًا في إطلاق ليرة جديدة تلغي صفراً أو اثنين من الفئات القديمة، بعد تحديد “سعر عادل” للعملة بالتزامن مع تدفق استثمارات محتملة. هذا السيناريو يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الطباعة، بل تتضمن إصلاحات اقتصادية ومصرفية تدعم الثقة بالنظام النقدي.










