تُعد جولة المفاوضات المزمع إقامتها بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عمان، والمقررة في الثاني عشر من نيسان/ أبريل الجاري، لحظة مفصلية في سياق سياسي إقليمي ودولي بالغ التعقيد. فبعيداً عن الطابع التقليدي لمثل هذه المحادثات، تكشف المعطيات المحيطة بها عن مشهد متحوّل يفرض على كلا الطرفين إعادة تموضع استراتيجي لا يخلو من الحسابات الدقيقة والمراجعات العميقة. من منظور تحليلي، يبدو أن طهران تدخل هذا التفاوض لا من موقع الندّية، بل من موقع الضرورة، في حين تتعامل واشنطن معه من زاوية تحقيق المكاسب بأقل التكاليف، مستندة إلى مروحة واسعة من أدوات الضغط.
وتعيش المنطقة مرحلة ما بعد “التحولات الجيوسياسية الكبرى”، حيث تصدّعت خرائط النفوذ التقليدية، وتعثّرت مشاريع الهيمنة الإقليمية. إيران، التي استثمرت لعقود في بناء منظومة نفوذ تمتد من اليمن إلى لبنان، مروراً بسوريا وفلسطين، تجد نفسها اليوم أمام تحديات متزايدة: من تراجع فعالية أذرعها العسكرية والسياسية، إلى ارتفاع كلفة الانخراط في ملفات كاليمني واللبناني، وصولاً إلى ارتباك دورها في الساحة الفلسطينية بعد جولات الصراع الأخيرة، وانتفاء دورها في سوريا. تزامناً، تتقدم تحالفات إقليمية جديدة تتخذ من تقليص النفوذ الإيراني هدفاً ضمنياً، ما يجعل من العودة إلى طاولة المفاوضات محاولة إيرانية لإعادة التموضع بدلاً من مشروع التمدد السابق.
وفي المقابل، تتحرك الولايات المتحدة في لحظة دقيقة من تاريخها السياسي، مع تصاعد نفوذ التيار المحافظ وسطوة دونالد ترامب على الحكم في واشنطن. الأمر الذي يضيف عامل “الخشونة السياسية” إلى أدوات واشنطن، مقابل ما كان يُنظر إليه كـ”مرونة زائدة” في عهد جو بايدن، الرئيس الأميركي السابق. وبالتالي، تصبح المفاوضات ساحة اختبار حقيقي لقدرة إيران على التعامل مع إدارة أميركية قد لا تعود إلى الاتفاقات بصيغتها القديمة، بل تسعى إلى هندسة اتفاق جديد يقوم على منطق ردع إيران لا الشراكة معها.
ولا يمكن فهم دوافع طهران من دون التوقف عند الوضع الاقتصادي المنهك الذي تعانيه البلاد. العقوبات الأميركية والدولية، مصحوبة بسوء الإدارة وفساد المؤسسات، أدت إلى انهيار شبه كامل في قيمة العملة الوطنية، وتفشي البطالة، وتراجع الثقة بالمنظومة الحاكمة، وبلوغ نسبة الفقر بين الشعب الإيراني إلى 30 بالمئة، بحسب مجمل الاحصاءات الدولية. هذه العوامل لا تشكّل فقط ضغطاً على القيادة السياسية، بل تغذّي حالة من السخط الشعبي الذي تجاوز أحياناً الخطوط الحمراء التقليدية. وبذلك، يصبح التفاوض وسيلة لكسب بعض الوقت، وتخفيف التوتر الاجتماعي، والحفاظ على ما تبقى من الشرعية السياسية.
ولكن المفارقة تكمن في أن النظام الإيراني، الذي طالما استخدم المشروع النووي كورقة تفاوضية، بات أسير هذه الورقة. فقد تحوّل البرنامج النووي من عنصر ضغط إلى عبء استراتيجي، مع ازدياد الشكوك الدولية حول نواياه، وتنامي الأصوات الداعية إلى التدخل العسكري في حال فشل الدبلوماسية. بهذا المعنى، قد يكون التفاوض هو السبيل الوحيد لتقليص كلفة البرنامج بدلاً من الاستفادة منه، وكل ذلك وسط تقلص القدرات الإيرانية الإقليمية على فعل أي شيء مؤذي لأميركي.
وما يلفت في المرحلة الحالية هو تغير اللهجة الإيرانية. التصريحات التي تخرج من طهران توحي، ولو ضمناً، بقبول مبدئي بفكرة “التسوية”، شريطة أن تُقدَّم ضمن خطاب لا يمسّ صورة “الصلابة” التي تروّجها إيران عن نفسها. فوزير الخارجية الإيراني يشير إلى أن المحادثات المقبلة “فرصة واختبار”، وهي عبارة تختزل المأزق الإيراني: كيف تفاوض دون أن تبدو ضعيفاً؟ وكيف تقدم تنازلات من دون أن تُتهم بـ”الرضوخ”؟
وفي المقابل، تعمد واشنطن إلى ممارسة نوع من الضغط المركّب، يمزج بين العقوبات، والتهديد العسكري، والتشدد في الخطاب السياسي، دون أن تنزلق إلى حرب مفتوحة. فبقاء التهديد قائماً من قبل ترامب الذي قال مطلع هذا الأسبوع أنه من الأفضل على قادة إيران “التفاوض والخضوع وإلا سيندمون”، يشكّل عنصر ضغط نفسي ومعنوي على طهران، ويدفعها إلى السعي لتسوية ما قبل تغيّر المعادلات.
إن التفاوض الأميرك – الإيراني المرتقب ليس مجرد محطة أولى في سلسلة طويلة من المحادثات القادمة، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على المواءمة بين الطموحات السياسية والمعطيات الواقعية. من جهة إيران، يفرض الواقع المتدهور داخلياً والضاغط خارجياً التخلي عن بعض أوراق اللعبة القديمة والقبول بصيغة أكثر واقعية. أما واشنطن، فترى في هذه الجولة فرصة لحصد انتصار سياسي جديد دون خوض مغامرات عسكرية.
ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل تملك طهران الشجاعة السياسية للقبول بـ”تسوية الضرورة”؟ وهل ستتمكن واشنطن من هندسة اتفاق لا يُنظر إليه كاستسلام إيراني بل كتحوّل في التوجهات الاستراتيجية؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتأخر طويلًا، فـ12 نيسان قد يكون بداية انفراج… أو ربما شرارة انفجار في منطقة اعتادت الانفجارات.
وكانت قد شهدت سلطنة عُمان على مدى أكثر من عقد محطات تفاوضية بارزة بين الولايات المتحدة وإيران، شكلت في مجملها نقاط تحول في مسار العلاقة المتوترة بين البلدين، لاسيما في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني وسلوك طهران الإقليمي.
بدأت أولى هذه الجولات في الفترة ما بين عامي 2012 و2013 خلال رئاسة باراك أوباما، حيث جرت اتصالات سرية في مسقط، تمهيداً لفتح باب التفاوض الرسمي حول برنامج إيران النووي. وأسفرت هذه المحادثات عن التوصل إلى اتفاق إطار مهد الطريق نحو إبرام الاتفاق النووي الشامل (JCPOA) عام 2015.
وعادت مسقط لتكون ساحة للحوار مجدداً في أيار/مايو 2023، حين التقى بريت ماكغورك، ممثل البيت الأبيض، مع كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني. تمحورت المباحثات حينها حول الحد من التصعيد الإقليمي وضبط البرنامج النووي الإيراني، في ظل توترات متزايدة في المنطقة.
وفي كانون الثاني/يناير 2024، ومع تصاعد الهجمات الحوثية على المصالح الأميركية، أعادت واشنطن وطهران فتح قنوات التفاوض غير المباشر في عُمان، بهدف كبح السلوك الإيراني الإقليمي وتحقيق نوع من الاستقرار في ساحة الشرق الأوسط الملتهبة.
وفي أيار/مايو من العام نفسه، وبعد الهجوم الإيراني على إسرائيل وما أعقبه من ردود فعل إقليمية متسلسلة، جرت جولة جديدة من المحادثات في محاولة لاحتواء التصعيد المتبادل، مع طرح فكرة العودة إلى اتفاق نووي مؤقت يضمن الحد الأدنى من الضمانات للطرفين.
ولكن في تشرين الأول/أكتوبر 2024، أعلنت إيران تجميد المحادثات، مشيرة إلى التصعيد الإقليمي وعدم توافر بيئة مناسبة للتفاوض، ما أعاد الغموض إلى مصير التفاهمات المستقبلية.
وحالياً، تُرتّب جولة جديدة في نيسان/أبريل 2025، يُتوقّع أن يشارك فيها المبعوث الأميركي الجديد ستيف ويتكوف إلى جانب وفد إيراني رسمي. وتركّز هذه الجولة على ملف تخصيب اليورانيوم الإيراني الذي بلغ مستويات حساسة، ما يجعل المباحثات المنتظرة محورية في تحديد مسار العلاقة النووية بين طهران وواشنطن في المرحلة المقبلة.










