في الشرق الأوسط، تُطل سوريا كجرح مفتوح في قلب التاريخ، هذا الوطن العريق الذي احتضن أقدم الحضارات، يروي قصة شديدة التعقيد تجمع بين التعايش والتنازع، بين السلام والعنف. عبر الأجيال، حُفرت المآسي في ذاكرة السوريين، لتصبح جزءاً من حكاياهم الشعبية التي تُروى في ليالي الشتاء الطويلة. هذه الحكايات المليئة بمشاعر الخوف والمرارة، لم تكن مجرد قصص ترفيهية بل تحذيرات تُغذّي الخوف المتبادل بين مكونات المجتمع، فما الذي جعل هذه الذاكرة الجمعية محاصرة بالخوف والعنف؟ وكيف يمكن تحويلها من إرث يُقسّم إلى جسر يُوحد؟
الجذور التاريخية: من العثمانيين إلى الفرنسيين
كان الحكم العثماني للسوريين بمثابة البداية لإرث مركب من الاضطهاد والتهميش، النظام “الملّي”، الذي قسّم المجتمعات على أسس طائفية ودينية، عزز شعورًا بالعزلة بين المكونات السورية. العلويون، الذين عاشوا في القرى الجبلية، كانوا يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، بينما الأكراد، رغم ثقافتهم العريقة وجذورهم الراسخة في الأراضي السورية، تعرضوا لتجاهل ممنهج جعلهم خارج دائرة التأثير السياسي والثقافي، أما العرب السنة في المدن الكبرى، فقد تمتعوا بمكانة نسبية، لكنهم كانوا في صراع دائم مع نظام سلطوي لم يمنحهم سيادة حقيقية.
مع سقوط الإمبراطورية العثمانية ووقوع سوريا تحت الانتداب الفرنسي، ازدادت الأمور تعقيداً، فرنسا استخدمت سياسة “فرق تسد” بذكاء، فقامت بتقسيم سوريا إلى دويلات طائفية. تلك اللحظة كانت نقطة تحول، حيث أصبحت المكونات السورية ترى بعضها البعض كشركاء غير مرغوب بهم في الوطن الواحد، ومع كل انتفاضة أو حركة مقاومة ضد الفرنسيين، كانت تُزرع بذور جديدة من الخوف والانتقام.
ذاكرة الألم: محطات حفرت الجراح
على مر الزمن، تعرض كل مكون سوري لحوادث تركت جروحًا عميقة في ذاكرته الجمعية، وزرعت داخله شعورًا دائمًا بالخوف من الآخر.
الأكراد، وهم أحد أقدم الشعوب التي استقرت في منطقة الهلال الخصيب، لطالما ارتبطت هويتهم بتاريخ عريق يمتد إلى عصور ما قبل الإسلام، كانت لهم ثقافة غنية تمثلت في الأدب، الموسيقى، والطقوس الاجتماعية المميزة التي لا تزال تُمارس حتى اليوم. إلا أن التاريخ الحديث لم يكن رحيمًا معهم؛ فقد شهدوا محاولات متكررة لطمس ثقافتهم عبر سياسات ممنهجة، بدايةً من العهد العثماني الذي تعامل معهم كجزء من الأطراف غير المؤثرة، وصولًا إلى الحقبة السورية الحديثة التي شهدت حملات تعريب استهدفت لغتهم وهويتهم الثقافية. الأكراد في سوريا غالبًا ما يُروون قصصًا عن الإقصاء السياسي، مثل حرمان الكثير منهم من الجنسية عقب الإحصاء الاستثنائي عام 1962، وهو أمر لا يزال عالقًا في ذاكرة العائلات كمثال صارخ على الظلم.
في القرى العلوية، كانت الحكايات تدور حول اضطهاد العثمانيين لهم، وعن معارك خاضوها ضد “الأقوياء” فقط لحماية بقائهم. هذه الروايات، التي يتم تناقلها جيلاً بعد جيل، جعلت العلويين يلجؤون إلى السلطة كسلاح وحيد ضد احتمالية العودة إلى التهميش.
العرب السنة، الذين كانوا في موقع القيادة خلال حقب معينة، لديهم ذاكرة مشحونة بمجازر مثل حماة عام 1982، حيث تحولت المدينة إلى أنقاض، هذا الحدث تحول إلى رمز في الوعي الجمعي للسنة، وكأن النظام كان يرسل لهم رسالة مفادها: “المعارضة ستُقابل بالإبادة.”
أما المسيحيون، فإن حكاياتهم غالبًا ما تحمل نبرة حزينة عن الكنائس المدمرة والنزوح المتكرر بسبب الصراعات. منذ عهد السلطنة وحتى النزاعات الأخيرة، كان لديهم شعور دائم بأن الوطن لا يحتمل تنوعهم.
الدروز، الذين قادوا ثورات عظيمة ضد الاستعمار الفرنسي، لا يزالون يتذكرون تلك الأيام كفخرٍ ممزوج بالحذر. قصص الثورة في جبل الدروز تحمل دروسًا عن الثمن الباهظ للتمرد، ما دفعهم في العصر الحديث إلى الحياد أحيانًا حفاظًا على وجودهم.
الشركس، بأصولهم القادمة من القوقاز، يحملون ذاكرة مليئة بالنفي والاغتراب. قصص هجرتهم القسرية من أراضيهم الأصلية على يد القياصرة جعلتهم يشعرون بأن أي تغير سياسي قد يحولهم إلى ضحايا مرة أخرى.
الهوية الممزقة: كيف زرعت المظلوميات الخوف؟
كل هذه الذكريات المؤلمة لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت موروثًا يتداوله السوريون دون وعي، يُغذي انعدام الثقة ويُعمّق الفجوة بين المكونات. الخوف المتبادل بين العرب والعلويين، الشك بين العرب والأكراد، والعزلة التي فرضتها الأقليات على نفسها، كلها كانت نتاج هذه الحكايات.
النظام السوري، بدلاً من أن يعمل على توحيد هذه الهوية، استغل هذا الخوف لتثبيت سلطته. حافظ الأسد استخدم الطائفية كأداة لإحكام قبضته على السلطة، مما جعل العلويين يشعرون بأنهم محميون لكنهم أيضًا عالقون في لعبة أكبر منهم. في حين تُركت بقية المكونات تشعر بأن النظام ليس أكثر من عدو مستتر.
الثورة السورية عام 2011 كشفت حجم الانقسام الحقيقي. لكل مكون روايته الخاصة، ولكل طرف ألمه الذي يرى أنه الأولوية. كان الخوف هو القاسم المشترك، لكن كل طرف يرى في الآخر مصدر هذا الخوف.
الخروج من الدائرة: هل يمكن تجاوز الإرث؟
بالرغم من هذا التاريخ المثقل بالألم، ما زلت أؤمن أن سوريا لديها فرصة لتجاوز هذا الإرث، لكن الأمر يتطلب رؤية شجاعة ومنهجية.
- الاعتراف بالماضي: يجب أن يكون هناك اعتراف جماعي بالظلم الذي تعرض له كل مكون. هذا الاعتراف لا يعني إدانة طرف أو آخر، بل فهم السياقات التي صنعت هذه الآلام.
- التعليم كأداة للمصالحة: يجب أن يعاد صياغة المناهج التعليمية لتشمل قصص الجميع. ليس كضحية أو مجرم، بل كجزء من هذا الوطن. حكايات الألم يمكن أن تتحول إلى دروس تعلم الأجيال القادمة كيف يبنون وطنًا مشتركًا.
- إصلاح النظام السياسي: المواطنة يجب أن تكون القاعدة، وليس الطائفة أو القومية. نظام سياسي يُساوي بين الجميع هو الخطوة الأولى لتضميد الجراح.
- الحوار الوطني: لا يمكن تجاوز هذه الأزمات دون حوار حقيقي يشمل الجميع. يجب أن تُسمع أصوات القرى العلوية، وأحياء الأكراد، ومدن السنة، وأقليات المسيحيين والدروز والشركس. كل صوت يحمل حكاية، وكل حكاية تستحق أن تكون جزءًا من الرواية الوطنية.
رؤية لوطن جديد
في النهاية، سوريا ليست مجرد فسيفساء من الطوائف والقوميات. إنها وطن له تاريخ عريق، وإذا استطاع السوريون مواجهة إرث العنف والخوف بشجاعة، يمكنهم بناء هوية وطنية جديدة تتجاوز الجراح. الهوية الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي شعور بالأمان والانتماء. حين يشعر كل سوري بأنه متساوٍ مع الآخر، حينها فقط يمكن للوطن أن ينهض من رماد الألم.










