تشهد الساحة السورية تصعيداً سياسياً وميدانياً جديداً، مع ازدياد التعقيدات الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل النفوذ في سوريا، وسط مشهد يشهد إعادة تموضع متواصلة للقوى الفاعلة. وفي قلب هذا المشهد، يتصدّر الوجود العسكري التركي في الشمال السوري محور الصراع، ليس فقط بين أنقرة ودمشق، بل أيضاً بين أنقرة وتل أبيب، التي عبّرت عن استيائها واعتبرت ذلك “تجاوزاً للخطوط الحمراء”.
وفي هذا السياق، تشير التحليلات إلى أن الحضور التركي في الشمال السوري يمثل نقطة تقاطع حادة بين مصالح الدول الفاعلة في الإقليم، ويُنظر إليه كجزء من مسار أوسع لإعادة رسم الخرائط الأمنية في الشرق الأوسط.
وترى إسرائيل أن التموضع التركي يشكّل تهديداً محتملاً، حيث يخشى المسؤولون الإسرائيليون من نشوء ممر نفوذ تركي – قطري يمتد من الشمال السوري إلى البحر المتوسط، بما يغيّر موازين القوى الإقليمية ويحدّ من قدرة تل أبيب على المناورة.
صراع الإرادات في إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط
في المقابل، ترى تركيا في هذا الوجود امتداداً لأمنها القومي، وتسعى إلى تثبيت نفوذها الجيوسياسي رغم التقاطعات الدولية التي تعقّد خياراتها العسكرية والسياسية.
وفي حديث خاص لموقع +963، اعتبر الديبلوماسي السوري بشار الحاج علي، أن “المشهد السوري الجديد، وبعد سقوط النظام السابق وخروج إيران من الأراضي السورية، يضع الحكومة الانتقالية أمام تحدٍ كبير يتمثل في إعادة تثبيت السيادة الوطنية على كامل الجغرافيا السورية، في ظل بيئة إقليمية لا تزال تنظر إلى سوريا كساحة نفوذ، وليس كدولة مستقلة تسعى لاستعادة مكانتها”.
وأضاف الحاج علي أن “التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي وصفت التمركز التركي بأنه خط أحمر، تكشف عن منطق استعلائي مألوف في سلوك الكيان المحتل تجاه الجوار العربي”، مؤكداً أن إسرائيل ما زالت تتعامل مع السيادة السورية كأنها ورقة تفاوض، لا كحق أصيل لدولة قائمة.
وأشار إلى أن “تركيا تسعى إلى ترسيخ وجود طويل الأمد في الشمال السوري، مستندة إلى ذرائع أمنية، وهو ما بات يُترجم على الأرض من خلال قواعد عسكرية وبنى إدارية”.
وشدّد على أن “سوريا، حتى وإن كانت تحت حكومة انتقالية لم تنل بعد اعترافاً دولياً كاملاً، لا تُدار بمنطق الغياب أو الفوضى”، موضحاً أن هناك “شرعية وطنية تتشكّل، ومؤسسات تعيد بناء الدولة، ومجتمع دولي بدأ يسمع الصوت السوري المستقل من جديد، رغم العقوبات الأميركية واستمرار الحذر الدولي”.
إسرائيل تتعامل مع السيادة السورية كـ”ورقة تفاوض“
وفيما يخص المشهد الميداني، أوضح الحاج علي أن “ثلاث قوى تتحرّك اليوم على الأرض: تركيا في الشمال، عبر قواتها والفصائل الموالية لها؛ إسرائيل في الجنوب، تتابع وتنفّذ ضربات بحسب مصالحها الأمنية؛ والولايات المتحدة في الشرق، تملك زمام المبادرة لكنها لم تحسم موقفها من الحكومة الجديدة”.
واعتبر أن “مسؤولية إعادة ترتيب المشهد تقع على عاتق السوريين أنفسهم”، مضيفاً: “آن الأوان ليفهم الجميع أن سوريا الجديدة لا تُبنى على ركام السيادة، بل بإرادة دولة تعافت من جراحها وتُصرّ على أن تكتب مستقبلها بقرارها الوطني، لا بإملاءات الآخرين”.
من جهته، يرى الدكتور كمال الزغول، أن “عدم الحسم في قضية القواعد التركية في سوريا يرتبط بخطط الإطاحة بالنظام السابق، والتي بُنيت على افتراض أن تركيا ستتولّى الدور الأميركي بعد خروج إيران”.
وأضاف الزغول في حديثه لـ”963+” أن “غياب استراتيجية أميركية واضحة بخصوص الوجود الروسي في سوريا، والمماطلة في ملف أوكرانيا، واستمرار الحرب في غزة واليمن، جميعها تعيق التوصل إلى اتفاق نهائي حول توزيع الأدوار”.
وتابع: “الاتفاق الروسي – الأميركي حول القواعد في سوريا من شأنه أن يوضح شكل الدور التركي في المنطقة. وحتى اللحظة، لا يمكن الجزم بمستوى التوسّع الإسرائيلي أو احتمالات المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل، قبل أن يحسم الأميركيون ملفات غزة واليمن وإيران والعراق”.
وأوضح أن “عودة إسرائيل إلى سياسة الضربات الاستباقية تأتي لتجنّب، كما تدّعي، حدوث 7 أكتوبر جديد”، مشيراً إلى أن استمرار تعثّر الدور التركي يعكس غياب التفاهمات الكبرى.
كما شدّد الزغول على أن “تركيا والحكومة السورية الانتقالية أمام مسؤولية تاريخية للانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، والعمل على ترتيب العلاقات الخارجية مع مختلف القوى”، محذرًا من أن “غياب الاتفاق الشامل سيُفضي إلى تحديات جديدة قد تقلب المشهد رأسًا على عقب”.
وختم الدكتور الزغول تصريحه بالتأكيد على أن “الولايات المتحدة تضع نصب عينيها هدفين: منع روسيا من استعادة سيطرتها على الملف السوري كما في السابق، ومنع تركيا من الانفراد بالساحة السورية”، مشيراً إلى أن “ترتيب الأدوار بين موسكو وواشنطن أصبح ضرورة للوصول إلى صيغة انسحاب أميركي منظم وآمن من المنطقة”.
وفي ظل هذه التعقيدات، تبرز الحاجة إلى بلورة مقاربة وطنية سورية تعيد ضبط الإيقاع السياسي والعسكري، وتواجه التحديات المفروضة من الخارج، بعيداً عن منطق الاصطفافات الدولية، وبما يُكرّس السيادة السورية على كامل التراب الوطني.










