تُعد الصين واحدة من القوى العالمية التي تبنت سياسة خارجية حذرة وبراغماتية تجاه الشرق الأوسط، وخاصة في الملف السوري، حيث كانت حليفاً للرئيس المخلوع، بشار الأسد، ودعمت نظامه سياسياً واقتصادياً، واستخدمت حق النقض ‘‘الفيتو’’ إلى جانب روسيا، ضد قرارات أممية حول سوريا. وهنا تُثار تساؤلات حول طبيعة العلاقات المستقبلية بين الصين والإدارة السورية الجديدة بعد سقوط الأسد.
أول اجتماع علني
بعد أكثر من شهرين على سقوط الأسد، جرى أول لقاء رسمي علني بين رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، والسفير الصيني في دمشق شي هونغ وي، والوفد المرافق له، في قصر الشعب بالعاصمة السورية دمشق. وعلى الرغم من هذه الخطوة، إلا أنه لم يُكشف علناً عما تمت مناقشته بين الجانبين، وهو ما يترك مستقبل مسار العلاقات بين الصين وسوريا غامضاً وفق مراقبين.
وجاء اللقاء بعد أيام من مؤتمر صحفي عقدته وزارة الخارجية الصينية، أعرب خلاله المتحدث باسم الوزارة، قو جياكون، عن تحفظات الصين الشديدة بشأن اقتراح بعض الدول رفع العقوبات عن سوريا، داعياً الحكومة السورية الجديدة إلى اتخاذ خطوات عملية لمعالجة مخاوف المجتمع الدولي بما في ذلك الصين، فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب.
سياسة الانتظار والترقب
في تصريحات لموقع ‘‘+963’’، أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس بمصر، الدكتور سعيد الزغبي، أن الإدارة السورية الجديدة تسعى لتعزيز العلاقات مع قوى عالمية بما فيها الصين، للمساعدة في إعادة الإعمار، ولكن الأخيرة تتبع سياسة الانتظار والترقب.
وقال الزغبي: “تنتظر الصين إيجاد حل سياسي في سوريا، واستقرار الأوضاع الأمنية فيها، حتى ترسم ملامح علاقاتها مع الحكومة الانتقالية وتفتح قنوات التواصل، كي تشارك في إعادة الإعمار وزيادة استثماراتها’’، لكنه أشار إلى أن العقوبات الأميركية والغربية قد تجعل الشركات الصينية في حالة تردد في الدخول بقوة إلى السوق السورية.
وأضاف: ‘‘إذا تبنت الحكومة السورية الجديدة نهجاً براغماتياً، فمن المتوقع أن تحافظ على العلاقة القوية مع الصين نظراً لدورها الدولي المهم ودعمها السابق لدمشق في مجلس الأمن، أمّا في حال سعت الحكومة إلى إعادة هيكلة سياستها الخارجية باتجاه انفتاح أكبر على الغرب فقد يتراجع الدور الصيني تدريجياً خاصة مع التقارب السوري التركي’’.
مكافحة الإرهاب وملف الإيغور
على الرغم من كل ذلك، فقد كسرت الصين صمتها علناً مرات عدة لتسليط الضوء على ملف مقاتلي الإيغور في سوريا، الذي طالما شكّل مصدر قلق كبير لبكين قبل وبعد سقوط الأسد، خاصة بعد تقليد بعضهم مناصب قيادية في وزارة الدفاع.
يشار إلى أنه في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، يوم سقوط الأسد، نشر مقاتلو ‘‘الحزب الإسلامي التركستاني’’ الذين ينحدرون من أقلية الإيغور المسلمة في الصين، مقطع فيديو قالوا فيه: ‘‘لقد قاتلنا في حمص وإدلب، وسنواصل القتال في تركستان الشرقية’’، في إشارة منهم إلى الاسم الذي يستخدمه الحزب لموطن الإيغور في شينغ يانغ، غربي الصين.
وفي هذا الصدد، يرى الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إبراهيم الأصيل، أن انفتاح الصين على دمشق مرتبط بعدد من الملفات، من أهمها ‘‘مكافحة الإرهاب، ملف المقاتلين الأيغور، تشكيل حكومة شاملة لمختلف الأطياف السورية ووقف الانتهاكات في الساحل السوري’’.
وتابع في حديثه لـ‘‘+963’’، أن تحسين العلاقات بين الصين والإدارة السورية الجديدة يتطلب من الأخيرة إعطاء ضمانات في ملف الإيغور، مشيراً إلى أن ‘‘منحهم رتباً عسكرية والجنسية السورية، يثير قلق بكين، كون الحزب الإسلامي التركستاني الذي أسس رسمياً عام 2015، لا يزال يعيش حلم الانفصال عن الصين في إقليم شينغ يانغ’’.
من جانبه، أوضح الباحث في الشأن الصيني، علي محمود، في تصريحات لـ‘‘+963’’، أن دمشق ستحرص بنفسها على تعزيز العلاقة مع بكين ولن تسمح لأي شيء بما في ذلك ‘‘الحزب التركستاني’’ أن يعكر صفو العلاقة مستقبلاً.
كما أن التنين الآسيوي لن يربط علاقته مع دمشق بوجود مسلحين من الإيغور فيها، شرط احتواء حكومة الشرع للمخاوف الصينية من احتمال انتقال تأثير هؤلاء خارج حدود سوريا، وفق محمود.
اقرأ أيضاً: الصين وسوريا بعد الأسد الابن: استراتيجية حذرة ومصالح اقتصادية وأمنية
مشروع ‘‘الحزام والطريق’’ الصيني
تريد الصين تعزيز علاقاتها مع الإدارة السورية الجديدة، كون لها أهدافاً أخرى ترتبط بموقع سوريا المهم لمبادرة ‘‘الحزام والطريق’’ الصينية، لذلك تطمح بكين في أن تستثمر في مرفأي طرطوس واللاذقية بالاتفاق مع روسيا، وفق الباحث في الشأن الصيني.
و‘‘الحزام والطريق’’ مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير في القرن 19من أجل ربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية.
وانضمت سوريا عام 2022 إلى هذه المبادرة، لكنها لم تستقطب استثمارات كبيرة من الشركات الصينية نتيجة أسباب عدة على رأسها العقوبات الغربية. وقال الأصيل، إن انضمام سوريا لم يترجم إلى مشاريع ملموسة مع تراجع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ربع ما كان عليه في عام 2011، لذلك سوريا كانت وما زالت بيئة غير جاذبة للاستثمارات بسبب عدم الاستقرار من جهة والعقوبات الأميركية من جهة أخرى.
وبحسب الزغبي، هناك سيناريوهان للعلاقة المستقبلة بين دمشق وبكين، الأول أن تستمر الصين في توسيع استثماراتها داخل سوريا وتصبح شريكاً رئيسياً في إعادة الإعمار وقد تقدم دعماً مالياً محدوداً مع التركيز على مشاريع البنية التحتية المرتبطة بمبادرة ‘‘الحزام والطريق’’.
أما السيناريو الثاني، فهو أن تبقى الصين على مسافة محددة وتواصل دعم دمشق ديبلوماسياً فقط دون استثمارات ضخمة لتجنب الدخول في صراعات مع الغرب بسبب العقوبات، وهنا وفق الزغبي: ‘‘ستظل العلاقة قوية سياسياً لكنها لن تصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي كما هو الحال مع روسيا’’.
صراع أميركي ـ صيني
في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالحرب على الصين قد يكون لتقارب دمشق مع بكين تأثيرات جيوسياسية كبيرة، فدمشق قد تستفيد من هذا التقارب لتعزيز اقتصادها، لكن ذلك قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط والعقوبات الأميركية عليها.
وفي هذا السياق، عقّب أستاذ العلوم السياسية، أنه ‘‘إذا صعّد ترامب تهديداته وتحوّلت إلى حرب تجارية أو صراع عسكري محدود مع الصين قد يؤدي ذلك إلى تقويض أي استثمارات صينية في سوريا، مما يعيق إعادة الإعمار حيث أن واشنطن قد تستهدف سوريا اقتصادياً أو عسكرياً لمنع تحولها إلى قاعدة نفوذ صيني في الشرق الأوسط’’.
وأشار الزغبي إلى أن السيناريوهات القادمة ستعتمد على مدى قدرة دمشق على إدارة التوازن بين الشرق والغرب، ‘‘فدول الخليج خاصة الإمارات والسعودية تحاول إعادة بناء علاقاتها مع سوريا لكن دخول الصين بقوة قد يجعلها أكثر حذراً، خوفاً من التورط في صراع أميركي ـ صيني بالرغم أن كلاهما عضو في تجمع بريكس مع الصين’’.
وفيما يعتقد الباحث في الشأن الصيني، أن الأميركيين لا يفضلون أي نفوذ للصين في منطقة الشرق الأوسط، لكن القول الفصل في هذا الشأن على حد تعبيره، لن يكون برغبة الولايات المتحدة في تحجيم الصين بالمنطقة وإنما قدرتها على ذلك.
ووفق محمود هناك نقطة أخرى لا تزال غير واضحة ومحط تساؤل وهي: ‘‘هل ستسعى واشنطن لدعم الحزب الإسلامي التركستاني للعمل ضد الصين، خاصة وأن ترامب أزال الحزب من قوائم الإرهاب عام 2020؟’’.
ويبدو أن الحكومة السورية الجديدة لن تعارض وجود علاقات مع الصين والعكس صحيح، الأمر بحسب مراقبين يواجه تحديات منها ملف مكافحة الإرهاب والمقاتلين الإيغور، لذا يجب أن تحتوي دمشق مخاوف الصينين من “إرهاب” قد يصل بلادهم قادماً من سوريا.










