تمثّل المعابرُ الحدوديةُ السوريةُ شرياناً اقتصادياً مهماً، وفقاً لموقعها الجغرافي مع عددٍ من الدول المجاورة، مثل معبر المصنع بين سوريا ولبنان، الذي يُعدّ بوابة رئيسية للهجرة والتهريب، ومعبر البوكمال بين العراق وسوريا الذي يستخدم لنقل المسافرين والبضائع، رغم التوترات الأمنية. وعلى الحدود السورية – التركية، هناك معابر عدة مثل القامشلي، بينما يوجد على الحدود الأردنية معبر نصيب، وهو نقطة عبور تجارية رئيسية، ويعدّ من أكثر المعابر تضرراً، إذ وصلت نسبة الدمار فيه إلى 90%. إلا أن الجهود المبذولة لإعادة تشغيله تدريجياً بدأت تؤتي ثمارها، وفق تصريحات صحفية لمديره خالد البراد.
وشهد الخط التجاري للمعبر أيضاً حركة دخول يومية تصل إلى 200 شاحنة، مقابل خروج 100 شاحنة، مع خطط لرفع القدرة الاستيعابية للمعبر إلى 4 آلاف شاحنة يومياً، كما كان الحال قبل عام 2010.
وأشار البراد إلى وجود تعاون تقني مستمر مع الجانب الأردني لتسهيل حركة العبور وتحسين الخدمات، مما ينعكس إيجابياً على التبادل التجاري وحركة المسافرين.
خطوة محورية
يشير مازن علوش، مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، إلى أن إعادة إعمار وتأهيل المعابر الحدودية السورية والمرافئ البحرية، سواء على مستوى البنية التحتية أو الكوادر البشرية، تمثّل خطوة محورية في استعادة دور سوريا كممر تجاري واقتصادي إقليمي.
ويتابع علوش، خلال تصريحات وردت في العدد الرابع لصحيفة “963+”، قائلاً إن ما تحتاجه سوريا اليوم في هذا الملف ينقسم إلى شقين رئيسيين: “الشق البشري، أي بناء قدرات الكوادر العاملة في المعابر من خلال التدريب والتأهيل المستمر، مع التركيز على مواكبة المعايير الدولية في إدارة الحدود، وتبني أدوات التكنولوجيا الحديثة في العمل الجمركي والأمني، بما يضمن الشفافية والكفاءة في الأداء؛ والشق الإنشائي والتقني، أي إعادة تأهيل البنية التحتية للمنافذ البرية والبحرية من خلال تطوير المنشآت وتجهيزها بأحدث الأنظمة الإلكترونية لتسهيل حركة العبور، إضافة إلى تحسين الخدمات اللوجستية والبنى التحتية الداعمة، من طرق ومستودعات ونقاط تفتيش متطورة”.
أما الأولويات، فتتجلى في ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، تحقيق الأمن الحدودي، من خلال منع التهريب وضبط الحدود بما يعزز السيادة الوطنية؛ وثانياً، دعم الاقتصاد الوطني بتسهيل حركة التجارة وزيادة الإيرادات الجمركية، ما ينعكس إيجاباً على عجلة الاقتصاد؛ وأخيراً، تعزيز العلاقات الإقليمية، إذ تُعدّ المعابر بوابات للتعاون الاقتصادي والديبلوماسي مع دول الجوار.
التحديات الأساسية التي يواجهها ملف إعادة إعمار وتأهيل المعابر الحدودية والمرافئ البحرية، فمتعددة، يأتي في مقدمها الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية والإنشائية نتيجة المعارك العنيفة التي دارت في محيط العديد من المعابر، إضافة إلى الإهمال المزمن الذي عانته هذه المنافذ خلال سنوات النظام البائد، حيث غابت عنها أي خطط تطوير أو صيانة حقيقية لعقود طويلة. كما هناك نقص حاد في الكفاءات البشرية المؤهلة التي تمتاز بالنزاهة والكفاءة، بعيداً عن الفساد الذي كان متفشياً في الإدارات السابقة، وفقاً لعلوش.
ويضيف: “التحدي الأكبر اليوم يتمثل في إيجاد كوادر نزيهة ومدرّبة قادرة على إدارة هذه المعابر والمرافئ وفق معايير مهنية حديثة تضمن أمن الحدود وشفافية العمل الجمركي، وهو ما يتطلب جهداً كبيراً في مجال التدريب وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات”.
جهات دولية ومحلية
وتخضع بعض المعابر السورية لسيطرة جهات دولية ومحلية، ما يزيد من تعقيد الوضع. فمعبر التنف على الحدود العراقية – السورية، مثلاً، تديره قوات التحالف الدولي بالتعاون مع جيش سوريا الحرة.
في هذا السياق، يقول العقيد مالك كردي، في تصريحات للعدد الرابع لصحيفة “963+” إن معظم المعابر تحتاج إلى بناء جديد يواكب حركة التدفق المتزايدة للمسافرين والبضائع، كما تحتاج إلى ساحات انتظار معبّدة وواسعة، وإلى بوابات تفتيش إلكترونية للمسافرين والعربات، مع رفد المعابر بجماعات من الكلاب البوليسية. كذلك تحتاج المعابر إلى أجهزة كمبيوتر، وإلى تدريب كوادر للعمل فيها، وفقاً لأفضل المعايير الدولية.
من جانبه، يرى الأكاديمي السوري الدكتور عماد الدين المصبح أن في أعقاب سقوط نظام الأسد، تقف سوريا على مفترق طرق تاريخي يتيح لها فرصة فريدة لإعادة تشكيل مستقبلها الاقتصادي. ويستطرد المصبح في حديثه في العدد ذاته من الصحيفة، قائلاً: “تبرز إعادة تأهيل المعابر الحدودية أولوية قصوى في هذا المسعى، إذ تمثل هذه البوابات نقطة انطلاق نحو الاندماج في الاقتصادين الإقليمي والعالمي”.
وبحسبه، عانت المعابر السورية طويلاً من سوء الاستخدام، حيث استُغلت كقنوات لتهريب المخدرات تحت حكم النظام السابق. واليوم، على سوريا تحويل هذه المنافذ إلى محركات للتنمية الاقتصادية والتجارة المشروعة، وهو تحول يتطلب نهجاً شاملاً يعالج البنية التحتية، والتكنولوجيا، والموارد البشرية على حد سواء.
وتحتاج المعابر السورية إلى إعادة بناء جذرية لبنيتها التحتية، بدءاً من الطرق والجسور وصولاً إلى المرافق اللوجستية. ويجب أن يتماشى هذا التحديث مع المعايير الدولية لضمان انسيابية حركة البضائع والأشخاص. كما أن تطبيق التكنولوجيا الحديثة، مثل أنظمة إدارة الحدود المتكاملة وأنظمة معلومات إدارة الحدود، سيكون حاسماً في تسريع عمليات التفتيش والتخليص الجمركي.
يضيف المصبح: “لا يقل أهمية عن ذلك تأهيل الكوادر البشرية العاملة في هذه المعابر؛ إذ سيكون ضرورياً تدريب الموظفين في مجالات الجمارك والأمن والخدمات اللوجستية، مع التركيز على مكافحة الفساد وتعزيز الكفاءة، لضمان أداء فعّال في هذه المنافذ. كما يتعين وضع إطار قانوني وتنظيمي جديد يتماشى مع المعايير الدولية، لتسهيل التجارة وضمان الأمن”.
كما يمكن لسوريا أن تستلهم من نماذج المعابر الحدودية المتطورة في الدول الرائدة في مجال تجارة الترانزيت؛ فتطبيق مفاهيم مثل نقاط العبور الحدودية الموحدة، وأنظمة النافذة الواحدة، وبرامج المشغل الاقتصادي المعتمد، من شأنه أن يعزز كفاءة العمليات الحدودية بشكل كبير.
ويلفت الأكاديمي السوري إلى أن نجاح سوريا في تحديث معابرها الحدودية سيكون له آثار إيجابية عميقة على اقتصادها، “فمتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في حجم التجارة الخارجية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز مكانة سوريا كمركز إقليمي لتجارة الترانزيت. كما يساهم في إحداث فرص عمل جديدة وتحسين الإيرادات الحكومية من خلال تحصيل جمركي أكثر كفاءة”.
نشرت هذه المادة في العدد الثالث من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 21 آذار/مارس 2025.
لتحميل كامل العدد الثالث من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










