حلّت الذكرى الرابعة عشرة للثورة السورية بعد أيام على صدور إعلان دستوري ينظّم سلطة الإدارة الجديدة، صاغته لجنة مكلّفة من رئيس الجمهورية المؤقت أحمد الشرع، الذي خوّله هذا الإعلان صلاحية تعيين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، طيلة المرحلة الانتقالية، والتي جرى تحديد مدّتها بخمس سنوات.
بدلاً من أن يأتي الإعلان الدستوري بقواعد تترجم الكلام المعسول عن إشراك الجميع في بناء المستقبل، كان يردده الشرع في خطاباته، فإنه فتح الباب أمام خطر التأسيس لاستبداد جديد، نتيجة تركيز السلطات في يد الرئيس، من دون أي آلية لمراقبة أدائه أو مساءلته ومحاسبته. ومن جهة أخرى، تأكّدت المخاوف والهواجس التي ولّدتها الإجراءات الأحادية والإقصائية للسلطة طيلة الأشهر الثلاث الماضية، من تعيينات اللون الواحد في الوزارات والإدارات العامة والمؤسسات الحكومية، إلى “مؤتمر الحوار الوطني” المرتجل، ومثله اللجنة الدستورية نفسها، مروراً بالجيش الجديد وأجهزة الشرطة والأمن، والتي كانت أشبه بإعادة تسمية لفصائل ما كان يسمى “إدارة العمليات العسكرية”، المكوّنة من “هيئة تحرير الشام”، والفصائل المتحالفة معها.
من حيث المبدأ، لا يمكن لعاقل أن ينتظر نظاماً ديمقراطياً من فصيل ديني مسلّح مثل “هيئة تحرير الشام”، سواء لمنهجها السلفي المتشدد وماضيها الجهادي الموسوم بالإرهاب، أو في ضوء سجلها في إدلب الذي يُظهر نمط حكم سلطوي لا يقبل الشراكة ولا يحتمل المعارضة. كما أنّ تأثير التيار المنادي بالديمقراطية في المعارضة السورية تراجع تدريجياً خلال سنوات الثورة، بفعل هيمنة الإسلام السياسي على الهيئات التي يفترض بها تمثيل الثورة. مع ذلك، إذا كان لدى التيارات الإسلامية في المعارضة السورية تحفظاتها العقائدية على الفكر الديموقراطي، فإنّها لم تكن تجد حرجاً في تبنّي بعض مفرداته وآلياته الإجرائية، كأن تُختزل الديموقراطية عندها في صناديق الاقتراع، أو تقرّ بالتعددية الحزبية. في المقابل، يرفض التيار السلفي الديموقراطية بالكامل، إذ يرى فيها “حكماً كافراً”، ولا مجال للحديث عن الديموقراطية في ظل سيطرته على السلطة.
لكنّ شيئاً من التفاؤل بإمكانية إيجاد شكل من الحكم يضمن شيئاً من التشاركية، ولو بدرجة محدودة، تولّد استناداً إلى ما تفرضه تعقيدات المسألة السورية، وحاجة السلطة إلى مناخ دولي داعم، من أجل إعادة الإعمار والنهوض بالاقتصاد السوري المنهار. وبصرف النظر عن النوايا، يبدو أنها مسائل كانت حاضرة في ذهن أحمد الشرع، عندما كان يرسل التطمينات العمومية، والرسائل الإيجابية في لقاءاته الإعلامية وكلماته المسجّلة، خلال الأيام الأولى التي تلت دخوله دمشق.
على صعيد آخر، كشفت التطورات الأمنية الأخيرة في الساحل مدى النفوذ الكبير والخطير الذي مازالت تحظى به فصائل مسلحة، بعضها يضم عناصر غير سورية، ويفترض أنها انضوت في هياكل وزارة الدفاع. وإذ وُصِفت أخيرا بـ “فصائل غير منضبطة”، بعد مجازر طائفية ارتكبتها بحق المدنيين، فهذا أمر دفع إلى التشكيك في سلطة الشرع، سواء من حيث وجهتها ونواياها الحقيقية، أو إرادتها وقدرتها على فرض سيطرتها كدولة تحفظ أمن البلاد.
هذه المخاطر الأمنية، بدورها، ستقلل من إمكانية نشوء حراك سياسي جدّي، تعمل من خلاله القوى السياسية والمدنية المعارضة للسلطة الجديدة، من أجل تنظيم جهودها، وتعزيز حضورها في المجتمع، ومحاولة تحسين شروط المرحلة الانتقالية، وما سيتمخّض عنها لاحقاً.
على هذا النحو، بات مؤكّداً أنّ حلم التحول الديموقراطي الذي وعدت به الثورة السورية في ما مضى سيبقى بعيد المنال، بحكم طبيعة الجماعة الممسكة بالسلطة، ودور الفصائل المسلحة في وصولها إلى الحكم، والتفاهمات الإقليمية والدولية التي قضت بإسدال الستار على حكم آل الأسد، وعينها على “الاستقرار” بأي ثمن، ولو على حساب حرية الشعب السوري وحقّه بالعيش الحرّ الكريم.
تحديات هائلة تحول دون نشوء حياة سياسية صحية في البلاد، والمقصود بالصحية إمكانية التنافس السياسي الحر، بين تيارات وقوى اجتماعية وسياسية مختلفة، على نحو ما شهدته سوريا بُعَيد الاستقلال، من خلال تجربتها الديموقراطية في خمسينيات القرن الماضي، قبل تعطيلها على أيدي العسكر والأحزاب الأيديولوجية.
فرغم قصر عمر تلك التجربة وما اعتورها من عيوب وأخطاء، تبقى دليلاً يذكّر الناس بأنّ الديموقراطية ليست شيئاً غريباً على المجتمع السوري، وفي تاريخه إرث منها يمكن البناء عليه. كما أنّ الثورة السورية أفرزت إرهاصات مجتمع مدني ناشئ، ومحاولات مهمة لتنظيم تجمعات سياسية ومدنية، كثير منها ما زال قائماً، وبعضها أوجد حراكاً حيوياً في دمشق وسواها من المدن السورية، في الأسابيع التي تلت سقوط الأسد، تجلّى في عشرات الندوات واللقاءات والفعاليات السياسية والثقافية والمبادرات المجتمعية، وهذه البذور المدنية يمكن أن تشكل نواة الحراك الديمقراطي مستقبلاً.
ما دامت موازين القوى على الأرض تفرض واقعاً بعيداً عن التعددية والمشاركة السياسية، لن يحظى السوريون بفرصة اختبار الديموقراطية. لكنّ إصلاحات سياسية حقيقية، تفرضها ضغوط دولية وإقليمية، من شأنها أن تعيد الأمل بإمكانية تأسيس نظام أكثر انفتاحاً وتشاركية، فالديموقراطية في سوريا ما زالت مؤجلة، لكنها ليست مستحيلة.










