“هذي دمشقُ، وهذي الكأسُ والرّاحُ… إنّي أحبُّ، وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ”. كلّما رددتُ هذا البيت لنزار قباني، شعرتُ أنّ الحبَّ في هذه البلاد يُشبه الوجع، وأنّ العشقَ فيها اختبارٌ للصبر أكثر منه احتفاءٌ بالجمال. كيف لا، وهي المدينةُ التي علّمت الدنيا الأبجدية، ثم صارت تُخطئ في تهجئة اسمها؟ وكيف لمدينةٍ كتبتْ أولَ حرفٍ في التاريخ أن تعجزَ اليوم عن قراءة مستقبلها؟
الدستورُ المُعتلّ بين الأرض والسماء
في الأمس، خرج الشيخ حكمت الهجري كمن يلقي حجرٍاً في مياهٍ راكدة، مطالبًا بإعادة كتابة الدستور. لم يكن حديثه دعوةً دينية، بل محاولةً لتصحيح مسار وطنٍ لم يعد يُدرك نفسه. تحدّث عن “علمانية لا تُعادي الدين”، وكأنه كان يحاول أن يُعيد تعريف ما لم يُعرّف بشكلٍ صحيحٍ أصلًا.
لكن… أيُّ دستورٍ هذا الذي نريد إعادة كتابته، ونحن ما زلنا نحيا في ظلّ نصٍّ ولد معتلًّا، عاجزًا، مُفصّلًا على مقاس سلطةٍ لا ترى في البلاد إلا مُلكًا خاصًا؟ دستورٌ كُتِبَ ليخدم النظام لا ليحمي الناس، ليمنح الرئيس صلاحياتٍ لا يمنحها حتى الإله، فيقرر الحرب والسلم، ويُجيز لنفسه البقاء حتى آخر رمق، وكأنّ سوريا مزرعةٌ أُورِثت له يوم تقسيم الميراث.
الدساتير تُكتبُ لتُحفظ حقوق الشعوب، لكنّ دستورنا لم يكن إلا وثيقةً تحفظُ حقوق السلطة في البقاء. ولهذا حين أتى صوتُ الشيخ الهجري مطالبًا بعقدٍ جديد، لم يكن الصوتُ سوى رجع صدى، يتردد في فراغٍ لم يعد يسمع إلا نفسه.
كنتُ أتمنى أن أسمع هذه المطالبة من مثقفي السويداء، من مجتمعها المدني، من مفكريها ومناضليها، لا من رجل دين، مهما كانت مكانته. كنتُ أريد أن يكون الدستور حلمًا يصيغه العارفون بشؤون القانون، لا أن يتحول إلى تصريحٍ يُشعل المعارك بين من يؤيد ومن يعارض. كان يجب أن تكون هذه الفكرة ولادة العقول الحرة، لا أن تكون صدى لشخصٍ له ما له، وعليه ما عليه، من تاريخٍ قديمٍ مع السلطة، ومن تقلباتٍ جعلته في عين العاصفة كلما قال كلمةً لا تُرضي هذا الطرف أو ذاك.
لكن الأكثر إيلامًا ليس تصدر الشيخ الهجري المشهد، بل ذلك الهجوم العنيف الذي ينهال عليه كلما نطق. التخوين، والسب، والتشهير، كلها أدواتُ مجتمعٍ مأزوم، يعجز عن الحوار فيستبدله بالحجارة. وكأن كل من يتحدث في الشأن العام يجب أن يُعدم معنويًا قبل أن يُستمع إليه. أنا لا أدافع عنه، ولا أهاجمه، بل أنبذ هذه العادة القبيحة التي تجعل كل صاحب رأيٍ مهددًا بحرق صورته في الساحات الافتراضية، قبل أن يُسمح لصوته بالوصول.
السلطة التي لا تخاطب إلا الطوائف
لكن السلطة، كعادتها، لا ترى الناس كأفرادٍ أحرار، بل كمجموعاتٍ مذهبيةٍ قابلةٍ للترويض. تتحدث إليهم عبر رجال الدين، لا عبر ممثليهم المدنيين، كأنما الوطن كنيسةٌ أو مسجد، والشعب رعيةٌ تنتظر العظة الأسبوعية. وحين يكون الوسيط بين الشعب والسلطة رجل دين، مهما كانت حكمته، تصبح الدولة نفسها فكرةً غامضة، هلامية، لا ملامح لها إلا ما ترتضيه السلطة.
في السويداء، حيث الأرض تتحدث بلغةٍ لا تفهمها السلطة، تعيش المدينة تحت وطأة انقسامٍ مُرّ. فلا الفصائل الثورية استطاعت أن تتوحد تحت رايةٍ واحدة، ولا القوى المدنية تمكنت من فرض وجودها بديلاً عن حكم السلاح والوجوه المتناحرة. إنها مدينةٌ تشبه نشيدًا نصفه ثورةٌ ونصفه الآخر انتظار، نصفها يبحث عن خلاص، والنصف الآخر يخشى الخلاص إن جاء على غير هواه.
كان ما قاله الشيخ الهجري أقرب إلى الحلم في أرضٍ أُنهك فيها الحالمون. المطالبة بإعادة كتابة الدستور ليست مجرد تعديل نصوص، بل هي إعادة بناء وطنٍ على أسسٍ جديدة. دستورٌ لا يُكتَب في ظلال الخوف، ولا يُقرّ في قاعاتٍ تملؤها عيون المخابرات، بل يَخطّه شعبٌ يريد أن يكون سيد قراره.
لكن، هل يمكن أن يُكتب هذا الدستور قبل أن يخرج الوطن من ثوبه القديم؟ قبل أن تتوقف السلطة عن مخاطبة الناس كطوائف، وتبدأ برؤيتهم كمواطنين؟ قبل أن تفهم الفصائل أن السلاح لا يصنع وطناً، وأن الشتات لا يبني جسدًا واحدًا؟
ما لم يتحقق ذلك، سيبقى الدستور القادم، كالدساتير التي سبقته، ورقةً على طاولة مَن يملكون القرار، بينما تبقى البلاد رهينةَ مَن يملكون القوة. سيبقى الوطن عالقًا بين ماضٍ لا يريد أن يرحل، ومستقبلٍ لا يعرف كيف يأتي.
ربما آن الأوان لكتابة الدستور على جدران المستقبل، لا على أوراق السلطة.










