بعدما وقّع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على إعلان دستوري مكوَّن من 53 مادة، بدأت تثار تساؤلات حول مستقبل سوريا، إذ تتيح هذه المواد سلطات مطلقة للشرع في إدارة المرحلة الانتقالية، ما أثار قلقًا من إعادة صياغة نظام السلطة المطلقة والفرد الواحد.
شهدت الجغرافيا السورية تظاهرات عديدة في مدن شمال وشرق سوريا، وكذلك في محافظة السويداء الجنوبية، رفضًا لمضمون الإعلان الدستوري بوصفه إقصاءً وتهميشًا للمكونات السورية الأخرى، ولا سيما الأكراد والدروز، ما يعكس أهمية المشاركة المجتمعية في صياغة العملية الدستورية في جميع مراحلها، خصوصاً أن إقصاء المجتمع وقواه الفاعلة ومنظماته الأهلية يهدد سلامة المرحلة الانتقالية وعبور الدولة نحو نظام أكثر استقرارًا وأمانًا.
يقول الدكتور زيدون الزعبي، الباحث في قضايا الحوكمة والهوية، في العدد الثالث من صحيفة “963+”: “لا ينبغي تصور إنجاز كتابة الدستور من دون مشاورات موسعة مع كافة مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني، وذلك يقتضي الدخول في ورش عمل حوارية موسعة تتضمن الإصغاء الجيد لكل مكونات المجتمع، بمشاركة حكومية، لإدراك ملاحظات المواطنين من مختلف الفئات والهويات والمكونات، ودمجها في المسودات الأولى للنصوص الدستورية”، لافتاً إلى أن هذا النهج ليس جديداً ولا مستغرَباً، بل تم تطبيقه سابقًا في جنوب أفريقيا وتونس. كما يؤكد أن الوصول إلى نص دستوري يُقارب الواقع في سوريا ويتماشى مع أهداف مكوناته “يتطلب إدراك السلطة حق المواطنين في التشاركية في إعداد وصياغة القوانين ومواد الحكم”.
أهمية التشاركية في صياغة الدستور
تمثّل المشاركة المجتمعية الواسعة في العملية الدستورية أحد أهم عوامل نجاح أي إصلاح دستوري، ولا سيما في سياق الانتقال من النزاع إلى السلام. فالدستور الذي يحظى بدعم شعبي واسع وشرعية مجتمعية يكون أكثر استدامة وقدرة على الصمود في وجه التحديات. في الحالة السورية، تكتسب المشاركة المجتمعية أهمية استثنائية نظراً إلى عمق الانقسامات وتعقيد النزاع، ما يتطلب إشراك مختلف القوى السياسية والمكونات المجتمعية من أحزاب ومنظمات مدنية ونقابات مهنية ومجموعات نسائية وشبابية ونخب أكاديمية وخبراء، في جلسات استماع عامة، واستشارات مجتمعية واسعة، وحملات توعية وتثقيف دستوري، إضافة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من المواطنين، وخاصة فئة الشباب. كما يمكن اعتماد آليات مبتكرة مثل “الجمعيات التأسيسية المصغّرة” التي تضم عينة تمثيلية من المواطنين.
لا تقتصر أهمية المشاركة المجتمعية على مرحلة صياغة الدستور فحسب، بل تمتد إلى مرحلة التصديق عليه، باستفتاء شعبي مباشر أو بآليات أخرى تضمن موافقة الشعب. وتشمل مرحلة تنفيذ الدستور ومراقبة التزام بنوده والمساءلة عند أي انتهاك لمضامينه، وبذلك لا يأتي الإعلان الدستوري، ثم الدستور، “بنفس واحد”، كما يقول شلال كدو، رئيس حزب الوسط الكردي في سوريا، وعضو الأمانة العامة للمجلس الوطني الكردي.
ثغرات وغياب الشمولية
وأضاف في العدد الثالث من الصحيفة: “الإعلان كذلك كُتب من جهة سياسية واحدة تطرفت في كتابته ما يعني أن الخطوات الآتية ستفتقد أيضًا إلى مشاركة المجتمع ومكوناته المتعددة”. ويلفت إلى أن الإعلان نفسه مليء بثغرات، “أبرزها تحديد دين رئيس الدولة، ما يُلغي حقوق معتنقي الديانات الأخرى ويجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، وتحديد الفترة الانتقالية بخمس سنوات، وهي طويلة جدًا، فضلًا عن اسم الدولة الذي يُلغي وجود القوميات الأخرى، ولا سيما القومية الكردية.
وتابع: “بالتالي، نرى كمكون كردي ضرورة إجراء تعديلات كبيرة وجوهرية على الإعلان، كي يكون شاملًا ومعبرًا عن مختلف الطيف السياسي والاجتماعي السوري”، مع الإشارة أن معارضة الإعلان ليست كردية فحسب، ما يعني أن ثمة قصورًا كبيرًا حدث في إعداد مواده، “من ناحية التواصل المجتمعي، وفهم ديناميات المجتمع السوري، والحفاظ على بنيته المستقرة، واعتباره نقطة مركزية في مسار الدولة الشاملة والآمنة”.
ويقول الصحافي السوري براء عثمان أبو اليسر، في العدد ذاته لصحيفة “963+” إن ضمانة الإعلان الدستوري هي الحوار مع منظمات وتجمعات العمل المدني والشعبي والنقابات التخصصية، التي تستطيع أن تصوّب أي عملية دستورية لتستوعب كل الاحتياجات المطلوبة، وليكون الدستور ممثلاً لكل الشرائح.
وإذا يؤكد أن جلسات عدة مع منظمات المجتمع المدني، سواء من خلال لجنة الحوار الوطني أو حتى على مستوى الوزارات جميعها، قد تمت فعلاً، يتهم ردات الفعل الغاضبة بأنها “أصوات تنطلق من خلفية تحاصصية، والوطن ليس كعكة للمحاصصة، فما تمّ هو إعلان مبادئ لتسيير شؤون البلاد خلال المرحلة الحالية، وليس دستوراً للبلاد على المدى الطويل، وكل من ينطلق من خلفية وطنية جامعة يُدرك أن هذا الإعلان هو وثيقة تضمن نجاة سوريا في المرحلة الراهنة، التي تحاول كثير من الأيادي جرّها نحو التقسيم. والشعب السوري قال كلمته في أكثر من موقف، قبل التحرير وبعده، وسوريا واحدة موحدة لا يمكن تقسيمها”.










