يثير أي حديث عن الفيدرالية أو “الإدارة الذاتية”، أو حتى بمجرد طرح مفهوم ضبابي كاللامركزية، حساسية كبيرة لدى “الوطنيين” السوريين، ويصبح مناسبة كي يعبروا عن رفضهم هذه الأفكار ومساواتها مع الدعوة إلى تقسيم البلاد. لا يهمهم هنا حقيقة أن أحداً لم يطالب بالتقسيم، ولا أن الفيدرالية تعني حرفياً “الاتحاد” في اللغة العربية، ولا أن اللامركزية، التي هي لغوياً نفي المركزية أي بالضد منها، لا علاقة لها بالتقسيم، بل إن كثيراً منهم يعرفون، أو حتى يعيشون في دول فيدرالية وموحدة في الوقت نفسه. هذا التصاعد الحاد في تحول دلالات اللامركزية لدى “الوطنيين” من البحث عن تقاسم السلطات بين المركز والأطراف وتخفيف تبعيتها، إلى البحث عن تقسيم البلاد دفعة واحدة، قد يدل إما على رهاب “وطني” من كل ما يمس وحدة سوريا ولو من بعيد، أو على رغبة في شيطنة كل مطلب يحاول بشكل طبيعي تخفيف تبعية الأطراف لسلطة دمشق. في الحالتين، هذا الإصرار على المركزية المشددة وتصوير كل ما يعارضها بأنها تهدد “الوحدة الوطنية” يشي بهشاشة هذه الوحدة، وبقناعتهم بأن سوريا ستكون عرضة للتقسيم لا محالة عند أول اختبار لتماسكها.
يمكن فهم عدم ثقة السوريين بوحدة بلادهم بالعودة إلى ظروف نشوء سوريا نفسها، والتي لم تحمل في داخلها مقومات تسمح لها أن تصبح وطناً يدين لها سكانها بالولاء؛ فلا هي نشأت كوطن قومي لشعب من أرومة عرقية أو دينية واحدة، إذ يشكل سكانها خليطاً معقداً من الأرومات لا تزيد نسبة الغالبية بينهم عن 50% من العرب السنة، ولا هي عالجت مشكلة تنوعها بإنشاء دولة ملكية تجمع شعبها بمختلف انتماءاتهم على الولاء للملك، أو بإنشاء دولة تعاقدية كسويسرا التي نجحت في اكتساب ولاء أبنائها من مختلف القوميات، رغم انتمائهم القومي إلى جيرانها الأقوياء.
في الواقع، لم تتشكل سوريا بأي طريقة من الطرق السابقة، إنما صنعتها فرنسا، وقسمتها، ومن ثم وحدتها على الخرائط، لكنها فشلت في أن توحدها شعبياً، إلا بشكل جزئي جداً ومؤقتاً، ومن دون قصد، حين أصبحت هدفاً “للجهاد” ضد الاستعمار (مثلما توحد السوريون في بدايات 2011 حين كان هدفهم إسقاط النظام)، ولم يعبَّر عن “وحدة العداء” هذه (التي لا تصنع وحدة وطنية أصلاً، وإلا لكان الغرب والسوفيات الذين قاتلوا النازية دولة واحدة) بنضال وطني منظم، إنما بجهاد كانت سماته الأبرز هي التقطع والمحلية والمدفوع غالباً بدوافع دينية أو عشائرية (كعدم احترام الفرنسيين إجارة سلطان باشا الأطرش لأدهم خنجر واعتقاله ومن ثم إعدامه، ما أطلق شرارة الثورة السورية الكبرى التي اقتصرت إلى حد كبير على الدروز، وكان لهم فيها أكثر من نصف عدد القتلى)، وعلى مدار 26 عاماً من أسطورة “مقارعة” السوريين للاستعمار الفرنسي المعروف بشراسته ودمويته في تلك الفترة، سقط نحو 10 آلاف قتيل فقط، أي ما يعادل ضحايا 10 أيام من حملة الإبادة الإيزيدية، أو ضحايا أسبوعين في حرب فيتنام، أو ضحايا شهرين من الحرب الأهلية السورية.
خرافة الوحدة الوطنية التي كانت تجد مبرراً خجولاً لها في “وحدة العداء” في عهد الانتداب، فقدت حتى هذا المبرر، حالما شدت فرنسا رحالها، ليدخل بعدها السوريون في دوامة البحث عن أي هوية كانت، من دون أن تغريهم سوريا نفسها بأن تصبح مصدر هويتهم المفقودة.
ربما يعود هذا النفور من الهوية الوطنية حينها إلى أن الوطنية كانت تعني في حالة سوريا الولاء لصنيعة الاستعمار، وهو ما يعني بشكل ما الولاء للاستعمار نفسه. أياً كانت الأسباب، فإن بوصلة السوريين في بحثهم عن الهوية أشارت دائماً إلى خارج بلادهم: فما إن حيّد الزعماء الكرد من الكتلة الوطنية، انقسمت الأخيرة على نفسها بين الحزب الوطني الدائر في المحور السعودي – المصري، وحزب الشعب الساعي إلى إزالة الحدود مع العراق، فيما تبارت الأحزاب العقائدية في طرح كل أنواع الهويات الممكنة، باستثناء الهوية الوطنية، فانتشرت في أوساط العرب السنة في الريف والمدينة أفكار القومية العربية بقيادة البعثيين، وأفكار الأمة السورية (التي تشمل “الشام” والعراق ولبنان والأردن وفلسطين وقبرص) بقيادة القوميين السوريين، وأفكار الأمة الإسلامية بقيادة الإخوان المسلمين، وحتى الشيوعيون لم يجدوا في سوريا وطناً لهم أكثر من لبنان، وكانوا حتى عام 1964 منظمين في حزب سوري – لبناني واحد.
هذا المزاج “الخارجي” لدى العرب السنة، والذي عكسته نتائج الانتخابات البرلمانية ما بعد الاستقلال وحتى وصول البعث سدة الحكم، كما عكسته تركيبة قيادات الجيش وميولهم السياسية والانقلابات التي خاضوها، لم يكن يختلف في مضمونه عن مزاج المكونات السورية الأخرى: فالتشبث بالقومية العربية أو بالقومية السورية العابرتين للحدود انتشرتا بشدة في أوساط الأقليات الدينية كالعلويين والدروز والمسيحيين، فيما تشبث الكرد بقوميتهم العابرة للحدود كذلك.
هشاشة الوحدة الوطنية في سوريا تنبع إذاً من أنها وحدة تعنى بجمع كل هذه الهويات غير الوطنية في كيان لطالما اعتبروه جميعاً كياناً مصطنعاً ومؤقتاً، بدلاً من أن يكون وطناً نهائياً بالنسبة إلى أي منهم. وبكلمات أخرى: تفتقر هذه الوحدة إلى المقوّمات الطبيعية التي تدعم قيامها وبقاءها بذاتها، لذا من البديهي أنها أمام ثلاثة خيارات: فإما أن يضمحل الكيان نفسه، كما حصل في الوحدة مع مصر، وحينها لا يبقى أي معنى للحديث عن “الوحدة السورية”؛ أو أن تخلق مع الزمن هذه المقومات الطبيعية، وهو ما لم يحاول السوريون فعله طوال قرن مضى؛ أو أن تفرض هذه الوحدة قسراً بالقوة المحضة، وهي ثيمة سوريا ودأبها منذ تأسيسها، فحين كان السوريون عرباً أجبروا الكرد على التبعية لهم بحجة وحدة سوريا، واليوم حين أصبحوا عرباً سنة يجبرون الكرد والعلويين والدروز على التبعية لهم بالحجة ذاتها وبالأدوات القهرية ذاتها، وثمة مؤشر ربما يكون الأكثر دلالة على خواء مفهوم الوحدة الوطنية لدى السوريين وبأنها مجرد غطاء للوحدة القسرية: فالأقليات الدينية التي غالت في السابق بخطابها عن “الوحدة الوطنية” واعتبرت كل حديث عن اللامركزية تقسيماً للبلاد، إنما فعلت ذلك حين كانت العروبة هي جوهر هذه الوحدة وكانت تضعهم على الطرف القوي من هذه العلاقة القسرية، إلا أنه حالما سقط نظام الأسد وتحول جوهر هذه الوحدة إلى العروبة السنية، تحولت معها عن هذا الخطاب، وأصبح اليوم العلويون والدروز مثلاً من دعاة اللامركزية في سوريا حين باتوا مهددين بأن يصبحوا تابعين فيها وموضوع قسريتها.
في المحصلة، الوحدة القسرية التي كانت سمة سوريا على الدوام وإجبار السوريين بعضهم بعضاً عليها، تؤشر في المقام الأول إلى وجود انقسام حاد فيما بينهم، ويكفي النظر إلى قائمة المجبرين على الوحدة حتى نتمكن من استنتاج خطوط الانقسام. فسوريا التي فشلت في أن تتحول إلى وطن لسكانها، فشلت في فعل ذلك من خلال الإكراه والغصب، وربما آن للسوريين أن يجربوا الخيار الذي لم يجربوه ولو مرة في تاريخهم: الاعتراف أولاً بأن سكان سوريا ليسوا شعباً في الوقت الراهن، وأن الوحدة القسرية القائمة على تبعية البعض للآخر لن تصنع منهم شعباً، أياً كان موقعهم منها قاسرين حيناً ومقسورين حيناً آخر، وقتها لن تبقى الفيدرالية مرادفاً وعاملاً للتقسيم، إنما ستصبح الدواء الذي يعالج الانقسام الحالي والعميق بين المكونات السورية، والتي ستهيئ الأرضية الطبيعية لولادة وحدة وطنية حقيقية تستمر بذاتها وليس مجرد وحدة مغلفة بقشور الوطنية أو المواطنة التي تتظاهر بعدم وجود هذه الانقسامات.










