منذ اندلاع الحرب السورية في آذار/ مارس 2011، ظل هاجس السفر يسيطر على عقول الشباب السوري، مدفوعاً بعدة أسباب، في مقدمتها الخدمة العسكرية الإلزامية التي اتسمت ببدايتها المعروفة ونهايتها غير المحددة، حيث قضى بعض الشباب أكثر من عشر سنوات في الخدمة. إضافة إلى ذلك، كان مجرد التفكير بدفع بدل نقدي بقيمة 8000 دولار أميركي أمراً مستحيلاً في بلد لا يتجاوز متوسط دخل الفرد فيه 50 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لسد نصف الاحتياجات الأساسية.
بين الجيش والصندوق الخشبي
كلمة “الذهاب إلى الجيش” أصبحت مرادفاً إما لسنوات طويلة من الخدمة أو لعودة سريعة في صندوق خشبي. ومع الحملة الانتخابية الأخيرة للرئيس السوري الفار بشار الأسد، التي أطلق فيها شعار “الأمل بالعمل”، انتشر تندر واسع بين الشباب الذين شعروا بانسداد الأفق، فاستبدلوا الشعار بعبارة ساخرة: “الأمل بالسفر”.
ورغم التكاليف الباهظة لجواز السفر وندرة البلدان التي تمنح تأشيرات للسوريين بأسعار مرتفعة، تمكن العديد من الشباب من مغادرة البلاد. أمجد الصمادي، المقيم في أربيل، بإقليم كردستان العراق، تحدث لموقع “963+” قائلاً: “كنت كالمحكوم بالإعدام، أعد أيامي الأخيرة قبل سوقي إلى الخدمة العسكرية الإلزامية وأنا بعمر 42 عاماً. كانت العودة من الجيش تعني إما صندوقاً خشبياً أو سنوات طويلة لا يعلم أحد عددها”.
وأضاف الصمادي: “بعد تخرجي من الجامعة وحصولي على درجة الماجستير في الاقتصاد، تهربت من الخدمة الإلزامية لسنوات، ثم حصلت على تأجيل نظامي من خلال تسوية بين النظام وأبناء درعا. استغليت هذه الفرصة وسافرت، رغم الأعباء المالية الكبيرة التي تكبدتها للحصول على الفيزا في أربيل. بقيت فترة بلا عمل، لكني الآن أعمل في مجال غير تخصصي، ومع ذلك الأمور تسير”.
وعن احتمالية عودته بعد زوال النظام، قال الصمادي: “إذا لم تصدر قوانين تحميني كمواطن وتضمن حريتي وكرامتي، فعلى الأرجح لن أعود”.
الرغبة في اكتشاف العالم
من جهته، قال فادي حداد، الذي يستعد للتخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية: “أريد أن أسافر، وليس فقط بسبب الأوضاع الصعبة التي نعيشها، والتي أعتقد أنها ستتحسن اقتصادياً واجتماعياً”.
وأضاف لـ”963+”: “صحيح أن الضغوطات الأمنية والملاحقات والخدمة الإلزامية انتهت، وقد يكون هناك أمان في المستقبل، لكني أريد أن أرى العالم. حتى الآن، لا أعرف سوى دمشق”.
محمد الكركي، الطالب في السنة الخامسة بكلية الطب البشري، عبّر عن رؤيته للسفر قائلاً لـ”963+”: “كنت أفكر بالسفر قبل سقوط النظام لأن المستقبل كان مظلماً. أدرس في جامعة خاصة، وفرصي بالتخصص محدودة بسبب قلة المقاعد. رغم تغير الأوضاع، ما زال السفر حلاً أولاً، لكني آمل أن أجد فرصتي بالتخصص في بلدي، فأنا أرغب بذلك”.
عبد الرزاق الخراط، طالب كلية الهندسة الميكانيكية، أشار إلى تغير طموحاته: “كنت أفكر بالسفر للتهرب من الخدمة الإلزامية، لكن الآن طموحي هو المشاركة في بناء البلد. صحيح أن الرواتب التي يتقاضاها المهندسون قليلة، لكني آمل أن يتوسع سوق العمل ويزداد الطلب على المهندسين. لدي رغبة حقيقية في العيش والعمل هنا والمساهمة في البناء”.
أما خديجة العامر، الطالبة في المرحلة الثانوية، قالت لـ”963+”: “لا أحد يتخلى عن وطنه، لكن الظروف التي نعيشها هنا تفرض علينا التفكير بالسفر لنعيش بطريقة أفضل. وللصراحة، أحب أن أسافر”.
مستقبل مجهول وآمال مؤجلة
عصام عبود، طالب كلية الحقوق، عبر عن حيرته قائلاً لـ”963+”: “صحيح أن النظام سقط، وألغيت الخدمة الإلزامية، وأصبح هناك أفق للعمل، لكن التصريحات الصادرة عن الإدارة الجديدة ومجريات الأحداث تشير إلى أن القصة طويلة نوعاً ما. لذلك، ما زال مشروع السفر قائماً بالنسبة لي. أنا في فترة تكوين الذات، ولا أريد أن أضيعها بالانتظار”.
وأضاف عبود: “بالتأكيد، هذه بلادي، وأحبها وتعني لي الكثير، وكل ذكرياتي هنا. لكن في النهاية، يجب أن أفكر بمستقبلي، وأريد أن يكون مستقبلاً جيداً. أخشى أن أضيع وقتي هنا بانتظار ما قد لا يحدث”.
وختم حديثه قائلاً: “مهما سافرت، سيظل انتمائي لهذا البلد، وسأظل سورياً”.










