سوف يحتفظ أرشيف التاريخ البشري بشريط السيدة السورية التي رفعت حذاءها محاولة إلقاءه في وجه مبعوث الأمم المتحدة غير بيدرسون أثناء زيارته لتفقد سجن صيدنايا، محملة المجتمع الدولي عبره مسؤولية كارثة المعتقلين بسبب رفض الأمم المتحدة اتخاذ موقف حاسم ضد نظام الأسد للإفراج عن المعتقلين على الأقل.
هذه السيدة السورية هي واحدة من ملايين السوريات اللواتي احتملن ما لا يمكن احتماله خلال الأربع عشر سنة الماضية؛ هي واحدة من السوريات اللواتي أصبحن هن المسؤولات عن تسيير شؤون عائلات بأكملها، بعد أن أكلت الحرب والاعتقال والموت المجاني ما يقارب جيلين كاملين من ذكور سوريا (رجالاً وشباباً).
لم تتوقف النساء السوريات خلال كارثة سوريا الكبيرة عن تقديم وفعل كل ما يلزم للنجاة والبقاء على قيد الحياة والحفاظ على ما تبقى من أسرهن وعائلاتهن من التشتت. منذ بداية الثورة في عام 2011 كانت المرأة السورية جنباً إلى جنب الرجل في المظاهرات وفي الحصار وفي أعمال الإغاثة وفي حماية المنشقين وفي العمل الثوري والحقوقي الخاص بتوثيق الانتهاكات، سواء في مناطق النظام أو في المناطق التي سيطرت عليها الفصائل الراديكالية المسلحة.
حمت المرأة السورية أطفالها في مخيمات اللجوء التي كانت شبه خالية من الرجال، لعبت دور الأم والأب وتحملت من المشاق والصعاب ما لا يمكن احتماله، ومثلها المرأة السورية في المنافي المتنوعة، حيث كانت قدرة النساء على الاندماج وتعلم اللغات الجديدة والانخراط في سوق العمل متفوقة بمراحل على قدرة الرجال في نفس الشروط المكانية والزمنية.
ربما من المفيد، في مثل هذه الظروف السورية الاستثنائية، التذكير بما حققته المرأة السورية عبر التاريخ السوري من مكانة، وما اكتسبته من حقوق كانت نتيجة نضالات دؤوبة قامت بها النسويات السوريات كمجموعات نسائية وحقوقية منظمة أو كمستقلات، في ظل سيادة نظام أمني عنفي امتلأت معتقلاته بالسجينات السياسات منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى أيام قليلة قبل أن يتم الافراج عن المعتقلين وتنظيف السجون بعد سقوط نظام الأسد.
هذه الحقوق والمكتسبات في التعليم والتعليم العالي والأكاديمي والعمل في كل المجالات بدءاً من العمل في الزراعة في الريف والمناطق الزراعية جنباً إلى جنب الرجل، وليس انتهاء بالعمل الأكاديمي الجامعي والقضاء والعمل الديبلوماسي والإعلامي، مروراً بكل مجالات العمل البدنية والفكرية والوظائف الإدارية والعلمية والطبية، والانخراط في القطاعات الثقافية والإبداعية والفنية بوصف النساء صاحبات مبادرات ومحترفات ومبدعات أثبتن حضورهن في كل العالم وليس فقط في سوريا. لم تبق دائرة من دوائر العمل المجتمعي والإداري والعلمي والثقافي إلا وكانت المرأة السورية موجودة فيها بقوة، لم تعقها (بنيتها البيولوجية)، التي تحدث عنها قبل أيام المتحدث الرسمي لهيئة تحرير الشام المسيطرة على السلطة بعد سقوط نظام الأسد، عن الانخراط بكل تلك الدوائر، ولم تكتف بدور الأمومة أو ربة المنزل فقط، بل أثبتت قدرتها العالية على تحمل مشاق الأمومة ومشاق العمل ومشاق تدبير الأسرة. ولطالما كانت هي عمود المنزل في الأسرة السورية، والجدار القوي الذي تستند إليه العائلة دون أن تتبنى مظلومية المستضعفة، بل لطالما أبدت قوتها وجدارتها بكل ما تقوم به.
وفي كل تلك المجالات التي عملت بها لم تتعرض المرأة السورية، إلا في حالات قليلة، لأن ينظر إليها بوصفها جسداً يمتلك خواص الفتنة وعليها أن تبقي فتنتها تلك بعيدة عن أنظار الرجل الذي لا يستطيع تهذيب وأنسنة غرائزه؛ لم يكن يوجد الكثير من هؤلاء الرجال في سوريا، ليس قبل ثمانينات القرن الماضي، أي قبل أن يفتح مؤسس الحقبة الأسدية في سوريا، الحبل على الغارب للدين في محاولة منه لاستقطاب رجال الدين الذين تحالفوا معه وحموا نظامه الأول والثاني من السقوط مرات عديدة؛ فكافأهم بتركهم يغيرون من طبيعة المجتمع السوري المسلم الوسطي، ليصبح متزمتاً في المدن الكبرى وقريباً من التطرف في المناطق البعيدة عن المدن، لاسيما في الريف الشمالي والشمالي الشرقي الذي تم إهمال تنميته وإقصائه وتهميشه وتركه فريسة للدين بوصفه الهوية الوحيدة التي تحميهم من ظلم وقع عليهم، واشتدت وطأته وعنفه بعد الثورة السورية والانتقام الأسدي بالغ العنف الذي تعرض له سكان شمال سوريا والريف المحيط بالمدن الكبرى كريف دمشق وحمص وحلب، هذا الريف الذي وقع لاحقاً تحت رحمة الفصائل الراديكالية الجهادية التي حاولت تدجينه وفرض أيديولوجيتها على سكانه.
تعرضت سوريا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مثل غيرها من المجتمعات العربية إلى فيروس المد الوهابي الذي نشط إعلامياً ومجتمعياً بشكل مهول، ورصدت له ميزانية ضخمة ليتمكن من السيطرة على الطبقات الوسطى في المجتمع العربي، باعتبار أن هذه الطبقة هي الحامل المجتمعي لأي عملية تنوير أو توعية أو تغيير، وتلقفت أنظمة الاستبداد الحاكمة هذا المد ورحبت به وسهلت انتشاره ليكون رديفاً لها في قمع المجتمع. في نفس الوقت كانت مظلومية حركة الإخوان المسلمين تتصاعد لدى الطبقات الفقيرة في المجتمعات العربية وتحشد لها أنصاراً داخلها. من بين الفكر والوهابي والفكر الإخواني ظهرت تيارات إسلامية جهادية متطرفة مستغلة الفجوة التي خلفها سقوط المشروع الاشتراكي والشيوعي الأممي وفشل المشاريع القومية المحلية لتطرح نفسها بديلاً يمكنه ملء الفراغ الروحي لدى كثير جداً من الشباب الذين يشعرون بالتهميش والإقصاء.
ندرك جميعاً أن الفكر الجهادي هو فكر إقصائي وتكفيري وتمييزي. فكر ذكوري يستهدف النساء أولاً، النساء بوصفهن مثيرات لغرائز الذكور، فيجب عليهن الاحتجاب ومحاذرة الاختلاط كي لا يثرن غريزة رجل تبيح له عقيدته أن يستسلم لغريزته بدلاً من تهذيبها. المرأة لدى هذا الفكر هي ملك يمين، وهذا من صلب الدين وليس من الاجتهادات الفقهية. أي للرجل حق الوصاية عليها، أب وأخ وابن وزوج ثم الأقارب الذكور من الدرجة الثانية ثم الثالثة وهكذا حتى يصبح لأي ذكر في مجتمع ما حق الوصاية على أية امرأة في مجتمعه ثم أية امرأة مسلمة. فإن كان هذا الرجل يملك سلطة سيادية فله حق الوصاية على كل النساء اللواتي يحكمهن. الشريعة تسعُ كل هذا، والشريعة الشرعية يمكنها أن تفرض هذه الوصاية بالقوة وبالترهيب، كانت السعودية إلى وقت قريب تتبع هذا النمط، إيران مازالت حتى اللحظة تطبق شريعة الشرعية على النساء وتعاقب من تخرج منهن عن تعاليم الولي الفقيه. وبالمناسبة كل رجل في الشريعة هو ولي فقيه للمرأة. وهذا متعارف عليه لدى ما يسمى الإسلام الوسطي فكيف سيكون عليه الحال لدى الإسلاميين الراديكاليين ومعتنقي الفكر الجهادي الذي يؤمن بسبي النساء لدى الانتصار (أمثلة هذا حدثت في سوريا والعراق قبل سنوات قليلة).
الآن، بكل ما نسمعه من تصريحات متحدثين باسم هيئة تحرير الشام عن منع الاختلاط وحصر عمل المرأة في أماكن محدودة ومحاولاتهم لمنع القاضيات من ممارسة عملهن، هذا قد يكون فردياً إلى حد ما، بمعنى أنها ليست تصريحات متفق عليها مع قيادة الهيئة، التي مازالت حتى اللحظة لا تتدخل في شكل حياة السوريين ولباسهم وعاداتهم، لكن ما يقوله هؤلاء هو لسان حال كل أصحاب الفكر الجهادي. لن يستطيع هؤلاء التحدث بغير ما هم مقتنعون به مهما تطورت أفكارهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحريتها وحقوقها، هذا بالنسبة لهم ليس موضع نقاش، ذلك أنها تعاليم مستمدة من القرآن الكريم ومن قلب الشريعة. أحد الإغراءات التي يستخدمها منظرو الفكر الجهادي لكسب المزيد من الشباب ورفد تنظيماتهم بعناصر جديدة هو إباحة سبي النساء لدى الانتصار، والوعد بحوريات الجنة عند الشهادة. إن كانت المرأة هي إحدى غايات الانتساب لهذا الفكر فهل بسهولة سيتخلى أصحابه عن هذه الغواية لأن آمراً دولياً يطلب منهم ذلك؟.










