باريس
منذ سقوط دمشق بيد المعارضة السورية التي تقودها “هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة سابقاً” في 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وفرار الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد إلى روسيا، ثمة محاولات حثيثة لتحديد ثروة آل الأسد والكشف عن مكانها، وذلك بحسب تحقيق أجراه سيباستيان سيبت ونشره موقع “فرانس 24”.
فاتحة هذه المحاولات انطلقت في تحقيقات إعلامية. يقول أندرو تابلر، الباحث في “معهد واشنطن” والمتخصص في العقوبات ضد النظام السوري: “لا ريب في أن عملية دولية ستقود إلى العثور على ثروة بشار الأسد وأفراد عائلته، الذين كان أمامهم المتسع الكافي من الوقت لإخفاء ممتلكاتهم واصولهم المنقولة وغير المنقولة”.
اقرأ أيضاً: أول تعليق بعد السقوط.. بوتين: سألتقي الأسد وأسأله عن الصحفي الأميركي
مليارات وأطنان من العملة
ينسب سيبت إلى موقع “ذي بايبر” البريطاني قوله إن الأسد وأقاربه يملكون نحو 55 مليون جنيه إسترليني في حساب ببنك “إتش إس بي سي” بالعاصمة البريطانية لندن، وإن سياسيين بريطانيين بينهم النائب المحافظ لاين دونكان طالبوا الحكومة البريطانية التحرك الفوري “لاستخدام الأموال التي جمعها الأسد وعائلته بطريقة غير مشروعة لإعادة إعمار سوريا التي هدمتها الحرب”، فيما تؤكد “فاينانشل تايمز” البريطانية أن الأسد التف فعلاً على العقوبات الدولية المفروضة على نظامه “ونجح في تحويل نحو 250 مليون دولار إلى حسابات مصرفية في روسيا بين عامي 2018 و2019، وفي نقل طنين من الأوراق النقدية بالقطع الأجنبي إلى موسكو”، استناداً إلى وثيقة اطلعت عليها الصحيفة البريطانية.
ونقل مؤلف تقرير “فرانس 24” عن سكوت لوكاس، الباحث المتخصص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة بيرمنغهام البريطانية، تقديره أن تتراوح ثورة آل الأسد بين 12 و16 مليار دولار، مضيفاً: “لكن هذا التقدير لا يشمل الممتلكات الثمينة الأخرى، كالسبائك الذهبية التي حاول الأسد تهريبها خارج سوريا، وفشل في ذلك”.
ويؤكد لوكاس ملكية آل الأسد 18 شقة فخمة في موسكو، وذلك في أكبر ناطحات سحاب في أوروبا، مضيفاً: “إنه رأس الجبل الجليدي فقط، فالتحقيق جارٍ في امتلاك بشار الأسد حسابات مصرفية عديدة في روسيا، وإن ثبت ذلك فما فيها من أرصدة تبقى ملكه، ويستحيل استرجاعها لاستخدامها في إعادة إعمار سوريا، من منطلق أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منح الأسد حق اللجوء في بلاده، ووجبت عليه حمايته، إلا إذا أتى ذلك ضمن صفقة دولية ما، وهذا مستبعد”.
إلى ذلك، يقول لويس إن للأسد “أصول محفوظة في دبي وفي دول خليجية وأوروبية وآسيوية أخرى، إضافة إلى اشتباه بأرصدة مصرفية باسمه في هونغ كونغ، من دون أن ننسى أن عمه رفعت يملك بناءً في قلب لندن، تتجاوز قيمتها 31 مليون يورو”.
اقرأ أيضاً: ضغوط سياسية ومعاناة مدنيين.. العقوبات الدولية على سوريا ألم يحن الوقت لترفع؟
تقديرات وشبهات
المثير في الأمر أن لاين ويليس، المحامي البريطاني في شركة “لايتيمر بارنتنرز” القانونية، أول كيان قانوني حاول تقدير ثروة الأسد في عام 2012، يقول إن العقوبات الدولية على النظام السوري السابق أرهقت الشعب السوري، “لكنها ساهمت فعلياً في إثراء المسؤولين، فالمعاملات التجارية التي تمنعها العقوبات كانت تمر عبر قنوات يتحكم بها الأسد وأفراد عائلته ومعاونيهم، وهذا ينسحب أيضاً على اسماء الأسد، زوجة بشار، التي وجِّهت إليها اتهامات كثيرة بأنها حولت ملايين الدولارات المخصصة للدعم الإنساني، ضختها منظمات أممية ودولية لسنوات، إلى أعمال تسيطر هي نفسها على جزء منها”.
يتحفظ ويليس على تقدير ثروة الأسد، لسبب رئيسي. يقول: “صعب جداً حصر أملاك تخص أفراداً في الدائرة الضيقة التي كانت محيطة ببشار الأسد، وأفراداً في عائلة الأسد كأبناء عمومته، والذين كان النظام السابق يسعى جاهداً كي لا يعرف من يملك ماذا”، فيما يقول منسوس شانيز: “تم توزيع الأملاك على أفراد العائلة بطريقة معقدة، كي تجعل أي تحقيق مستقبلي في هذه المسألة صعباً جداً”، وهو المسؤول عن النزاعات والشكاوى في منظمة “شيربا” غير الحكومية التي فازت قضائياً على رفعت الأسد، عم بشار، في قضية أملاك غير مشروعة في أيلول/سبتمبر 2022.
اقرأ أيضاً: سوريا تئن تحت وطأة أزمة اقتصادية خلفها النظام السابق
هل يمكن استرجاعها؟
لا يبدو لويس متفائلاً، إذ يقول في تقرير “فرانس 24”: “حصر ممتلكات آل الأسد مسألة معقدة للغاية، وفتح ملفات قضائية وتنظيم تنسيق دولي في هذه المسألة يستغرقان وقتاً طويلاً، وتحديد الوسيلة المثلى ليستفيد الشعب السوري من هذه الأصول المنهوبة ليس مستحيلاً، لكن عامل الوقت مهم هنا، فعلى سوريا أن تبدأ إعادة الإعمار فوراً”.
ويوافقه منسوس سانشيز في ذلك، مؤكداً أن هذه العملية “قد تمتد أعواماً عدة، ولا ننسى أن في الأمر أطرافاً غير سوريين يستفيدون، كالروس مثلاً، والمؤثرات السياسية المحيطة بالموضوع ستساهم حتماً في تعقيد الأمور، ودفعها إلى طريق مسدود، علماً أن أصول آل الأسد ليست في مأمن أبداً”.
ويختم سيبت تقريره طارحاً سؤالاً مهماً: “هل سينعم بشار الأسد بالسكينة في منفاه الروسي؟” ويأتي الجواب من سكوت لوكاس: “أمره رهن بيد مضيفه وحاميه فلاديمير بوتين. فإن رضي عنه وسمح له بالتواصل مع محاميه واستخدام حساباته المصرفية، فسينعم حينها بشار وأسماء وأولادهما الثلاثة بحياة رغد ورفاه. لكن، بكل تأكيد، لن تحصل عائلة الأسد المنفية على كل ما تطمع فيه”.










