في الوقت الذي أعلنت فيه روسيا عن منحها بشار الأسد حق اللجوء الإنساني، بعد سقوط نظامه إثر هجوم “هيئة تحرير الشام” وفصائل المعارضة المسلحة الأمر الذي يشي بعدة دلائل وراء هذا القرار وطريقة تنفيذه ومآلاته وتداعياته قانونياً وسياسياً.
أبعاد القرار
رغم أن اللجوء الإنساني الممنوح للأسد لا يتطابق مع اللجوء السياسي المعتاد، إلا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حرص على حماية وكيله في الشرق الأوسط وتجنب مصير رؤساء سابقين، عبر تأمين خروجه من سوريا إلى روسيا بسلام.
وتدرك موسكو أن الوضع في سوريا لم يصل نهايته، مما يجعل الأسد ورقة قد تحتاجها في المستقبل سواء على صعيد الحكومة المرتقبة أو المفاوضات الدولية.
وفي الوقت ذاته، تتحدث مصادر عن اتصالات مكثفة بين روسيا والسلطة الجديدة في سوريا لبحث مستقبل الاتفاقيات المبرمة مع نظام الأسد، ومدى قبولها من قبل الحكومة الجديدة.
الأبعاد القانونية
يشير أستاذ القانون الدولي الدكتور أيمن سلامة إلى أن وصف “اللجوء الإنساني” الممنوح للأسد يثير جدلاً قانونياً. ويشرح لموقع “963+”، أن “هذا النوع من اللجوء يُمنح عادةً لمن يفرون من نزاعات مسلحة أو اضطهاد سياسي، وليس لرئيس مخلوع”.
ويضيف أن القضاء الفرنسي أصدر مذكرة اعتقال بحق الأسد في حزيران/ يونيو 2024 بتهم جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، “مما يسمح لفرنسا، إذا كانت هناك اتفاقية قضائية مع روسيا، بطلب تسليمه”.
وبشأن المحكمة الجنائية الدولية، أكد سلامة، أن سوريا ليست ملزمة بالانضمام لنظام المحكمة لتحريك تحقيقات ضد الأسد، إذ يسمح النظام للدول غير الأعضاء، مثل أوكرانيا عام 2023، بطلب تحقيقات. كما يمكن لحكومة سورية مرتقبة طلب تحقيقات دون الانضمام، مما يتيح محاسبة الأسد وزمرته السياسية والعسكرية.
وأضاف سلامة أن دولاً أوروبية تطبق مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، مثل فرنسا وألمانيا وهولندا، يمكنها محاكمة الأسد بشرط وجوده في أراضيها.
ربما قد يكون في الأفق سيناريوهات منطقية تكشف عن محاكمة نظام الأسد الابن ومن معهـ ممن تورطوا بجرائم وانتهاكات ضد الشعب السوري، خاصة بعد إعلان قوى المعارضة نيتها خضوع كل المتورطين من النظام السابق والمتعاونين في تنفيذ تلك الجرائم والانتهاكات لمحاكمات، فضلاً عمّا يمكن أن تسفر عنه الأوضاع السياسية من تحرك بعض الدول لنفس الأمر.
رؤية موسكو
نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، أوضح لشبكة “إن بي سي نيوز” في مقابلة تليفزيونية، أن نقل الأسد إلى موسكو تم بأمان، مضيفاً أن روسيا ليست طرفاً في اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية.
وأشار الباحث في الشأن السياسي الروسي مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديمتري بريجع، لـ”963+” إلى أن “روسيا وفرت اللجوء للأسد لتجنيبه مصير القذافي وصدام حسين”، لافتاً إلى أن “الاستخبارات الروسية أشرفت على العملية لضمان سلامة عائلته”.
مصير الأسد
برلمانيون روس تحدثوا عن احتمال منح الأسد الجنسية الروسية تقديراً لدعمه السياسة الروسية في الشرق الأوسط. ومع ذلك، تظل طبيعة اللجوء الذي حصل عليه غامضة، إذ تصفه المصادر بـ”المؤقت”.
الصحف الروسية تؤكد أن الأسد “استقال طوعاً” ولم يُجبر على الهروب، مما يعزز الرواية الروسية حول عدم وجود نشاط سياسي مستقبلي للأسد في سوريا. هذه الخطوة تعكس رسالة روسية لحلفائها، خصوصاً في إفريقيا، عن قدرتها على حماية حلفائها وعدم تعريضهم للتصفية الجسدية، ما يعزز حلم موسكو بالهيمنة الدولية.
ويحمل اللجوء الممنوح للأسد أبعاداً قانونية وسياسية متعددة. روسيا تسعى من خلال هذه الخطوة لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، بينما يظل مستقبل الأسد مرهوناً بالتطورات الدولية والمحاكمات المحتملة.










