لا تتوقف الأحداث والدلالات التي تؤشر كلها إلى حقيقة واحدة “لا نهاية سياسية للصراع السوري”. تتبدل كل الوقائع الحياتية والتوازنات الميدانية في سوريا، ومثلها تنقلب الحقائق السياسية في المنطقة بالتقادم كل يوم، تسقط حكومات وتتصالح دول كانت متعادية، تندلع حروب وتُقتلع تيارات سياسية وتتغير التوازنات بين المحاور الإقليمية، ويبقى الصراع السوري وحده ثابتاً دائماً، عصياً على أي تحول جوهري ذو طبيعة سياسية، أو قابلية لأن يكون له مسار أو رؤية ما لنهايته، أياً كانت، ولو نسبية.
المعضلة ذلك كامنة في أن مختلفة القوى السياسية، ومثلها النُخب الفاعلة في المشهد العام، أنما تُشيد مواقفها رؤيتها وفعلها السياسي على العكس تماماً مما تفترضه المساومات الوطنية ذات الطابع السياسي، الواجبة كنهايات لمثل هذه الحروب المديدة، التي لا طائل متوقع منها، لطرفي الصراع، حتى لو أقتلع أحدهما الآخر عسكرياً.
على العكس تماماً، تشييد النُخب والقوى السورية الفاعلة خيالها السياسي على تفاؤل طفولي يعتقد أن “ضربة قاضية” ما ستحدث في وقت ما، ستحسم هذا الصراع لحسابها، تُقفل بها القضية السورية لما تعتقد أنه “الحل”؛ لكن دون أية براهين أو مؤشرات على واقعية ما تعقده، بدلالة تراكم تفلش ما بقيت تظنه “الحدث الذي سيصنع وسيؤدي إلى النهاية” مرة بعد أخرى.
طوال عشرة سنوات كامل مضت، على الأقل، منذ أن تثبتت الجغرافيا السياسية السورية على أربع مناطق للهيمنة المستدامة، واحدة للنظام وأخرى للجماعات السورية الموالية لتركيا وثالثة لقوى الإسلام السياسي المتطرفة ورابعة للإدارة الذاتية “الكردية”، تبدلت الكثير من المعادلات السياسية الداخلية والإقليمية، وحتى الدولية، لكنها كمناطق تصارع صفرية سياسياً، بقيت أساساً وواقعاً عصياً على الكسر، سواء عسكرياً ميدانياً، أو سياسياً. حتى بعض التحولات التي جرت مؤقتاً على واحدة أو أخرى من الجبهات والمساحات، لم تنافي حقيقة الفصام السياسي والنفسي والعقائدي الدائم والمتزايد فيما بينها، واستحالة وصولها إلى توافق سياسي ما، حيث بقي الصراع الصفري أولى الحقائق وأكثرها صرامة على الدوام.
خلال هذه المرحلة الطويلة والقاسية، تأتى هذا الوهم السوري وتصلب نتيجة تراكب مُعتقدين سياسيين خادعين، غالب هؤلاء الفاعلين السوريين وسطر سلوكهم الميداني والسياسي.
يرى الأول أن هيمنة سياسية وإيديولوجية ما، وربما طائفية، يُمكن أن تكون متاحة لواحد من الأطراف السورية، فيما لو انتصر عسكرياً، أو حدث تحول إقليمي لصالحها. فكما أن النواة الصلبة ضمن بنية النظام بقيت تعتقد واهمة إنها تستطيع استعادة “سوريا ما قبل العام 2011” جراء المحق العسكري، وتالياً ليس من مصلحتها القبول بأية توافقات سياسية، أو تشييد رؤية قائمة على السياسة لا على الميدان، فأن قوى المعارضة، أو غالبيتها المطلقة على الأقل، كانت تشاطره مضموناً سياسياً شبيهاً، وإن كان مُضمراً، مُعتقدين أن ما هو “غالبية سكانية طائفية سُنية”، يُمكن أن يتحول إلى غالبية وهيمنة سياسية مطلقة على البلاد. تعتقد غالبية قوى المعارضة السورية ذلك، بدلالة إنها لم تمارس أفعالاً سياسية وخطابية ضد خصومها، بالذات الأقل شكيمة وحضوراً، إلا بما يتطابق مع أفعال النظام حرفياً ضدها هي.
هذا الاعتبار السياسي مخادع ومؤذي، لأنه غير حقيقي موضوعياً. يعني حتى لو تخيلنا سيطرة قوة سياسية سورية ما على كامل البلاد عسكرياً، حسب ظرف ما، ثمة استحالة لأن تصرف ذلك سياسياً بشكل آمن ومستدام، بسبب التعقيدات السياسية والطائفية والعرقية والجغرافية والإقليمية الهائلة المتقاطعة على الجغرافيا السورية، والتي لا يعترف بها مجموع الفاعلين السورين.
المُعتقد الآخر متمثل باعتقاد يغالب النُخب السياسية، وحتى الثقافية، السورية، يرى في سوريا كياناً وجغرافيا “بالغة الأهمية والمركزية”، وتالياً التيقن بأن مجموع المحاور الإقليمية والدولية ستعود متهافتة للانشغال بالمسألة السورية، عبر الضغط على طرف سوري ما لصالح آخر، ترتيب الحياة السياسية والاقتصادية والدستورية لسوريا وشعبها، إعادة لملمة الجغرافيا السورية وخلق كيان مركزي وفاعل من أطلال ما بقي منها.
لهذا المُعتقد جذور ثقافية متراكمة، عززتها الخطابية البعثية طوال عقود في الذهنية العامة للسوريين، لكنه راهناً يبدو وكأنه منطق شاعري، شديد الأذية بالمؤمنين به، لأنه يرفع عنهم كل واجب سياسي ورؤية موضوعية وانزياح حتمي للتوافق، واجب على أناس تحولت بلادهم إلى مجرد بقايا ممزقة، جغرافياً ونفسياً وسياسياً وحياتياً. فالنُخب السورية ترفض التسليم بأن بلادهم صارت مجرد “ملعب هامشي”، تمارس الدول الإقليمية والقوى الدولية مع قضيتهم وعلى أراضيهم وحسابهم مقايضات وصفقات لا تنتهي، يتبادلون المنافع وأشكال التفاوض والتواطؤ.
حدثت “اتفاقية الطائف” اللبنانية عام 1989، بعد قرابة خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، لتحقق ذلكم الشرطين في الحالة اللبنانية. فكل القوى اللبنانية صارت متيقنة بأنه من المستحيل أن تفرض كامل شروطها ورؤيتها السياسية على نظيراتها، ولو نسبياً. ولأن حجم وموقع لبنان “الصغير نسبياً”، وفر شرط الرعاية والاهتمام الإقليمي والدولي به. هذان الشرطان المستحيلان راهناً وفي الأفق المنظور في الحالة السورية.
منذ عشرة سنوات يراكم السوريون ما هو العكس من ذلك تماماً، مزيد من الجدران النفسية والسياسية الصلبة فيما بينهم، والكثير من الأوهام حول معنى وموقع بلدهم ضمن الكل الإقليمي والدولي، لذا يبتعدون يوماً بعد آخر لما يُمكن أن يكون نهاية لمأساتهم.










