تشير الزيارات الأخيرة للرئيس السوري أحمد إلى برلين ولندن إلى تحول استراتيجي في علاقة سوريا بأوروبا، بعيداً عن مقاربات التطبيع الكامل أو القطيعة المطلقة، وباتجاه ما يمكن وصفه بـ “الانخراط الحذر المشروط”. وفي هذا السياق، لم تعد سوريا مجرد ساحة أزمات، بل بدأت تعيد رسم مكانتها الجيوستراتيجية، مستفيدة من موقعها بين البحر الأبيض المتوسط وعمق القارة الآسيوية، وبإمكانها أن تتحول إلى ممر حيوي للطاقة والتجارة.
وتركز التحركات السورية على تهيئة بيئة استثمارية واضحة وجاذبة، بدءاً من تسهيل ملكية المستثمر الأجنبي للمشاريع، وإقرار إعفاءات ضريبية وجمركية طويلة الأمد، وصولاً إلى توقيع اتفاقيات عملية مع شركات أوروبية كبرى في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
وفي الوقت نفسه، تولي السلطات اهتماماً بالغاً لدور الجالية السورية في أوروبا، ليس فقط كجسر اقتصادي، بل كعنصر يمكن أن يعزز الثقة ويخفف فجوة المعرفة والخبرة بين المجتمعات، ما يتيح فرصاً لإعادة البناء بشكل تدريجي ومستدام.
ويظل الملف الاقتصادي مترابطاً ارتباطاً وثيقاً بالأبعاد الاجتماعية والأمنية، حيث يمثل عودة اللاجئين، وضمان الاستقرار القابل للتنبؤ، وإرساء قواعد الحوكمة المحلية والشفافية، شروطاً أساسية لجذب الاستثمارات الأوروبية وتحويلها إلى مشاريع تنموية ملموسة، مع إدراك أن أي نجاح يعتمد على قدرة سوريا على إدارة المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية بشكل متوازن.
اقرأ أيضاً: الشرع يلتقي رئيس الوزراء البريطاني لتعزيز التعاون الثنائي والاستثمار – 963+
تسهيل الاستثمار والبنى التحتية والطاقة
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في منتدى الأعمال الألماني السوري في برلين أن الحكومة أجرَت تعديلات واسعة على قانون الاستثمار بهدف تسهيل وتشجيع الاستثمارات في سوريا، مشيراً إلى أن البلاد توفر فرصاً كبيرة في قطاعي البنى التحتية والطاقة، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي كملاذ آمن لسلاسل توريد الطاقة.
ويقول زياد أيوب عربش، الأكاديمي والمستشار الاقتصادي في دمشق، في تصريحات لـ”963+”: “هذه الإجراءات ليست مجرد تعديلات تشريعية، بل جزء من رؤية استراتيجية لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الأوروبي. قانون الاستثمار الجديد مع الإعفاءات الضريبية وتمكين المستثمر الأجنبي من تملك كامل المشروع، يخلق بيئة جاذبة للاستثمارات ويتيح للشركات الأوروبية الدخول بثقة، خصوصاً في مجالات البنية التحتية والطاقة”.
وأوضح وزير الطاقة محمد البشير أن سوريا تعافت من ظروف صعبة خلفتها الحرب، وأن توقيع مذكرتين مع شركة سيمنز لتطوير نظام قيادة وتشغيل الشبكة الكهربائية، إضافة إلى مذكرة تعاون مع شركة كناوف لصناعة ألواح الجبس، يعكس خطوات عملية لإعادة تأهيل قطاع الطاقة والبنية التحتية. وأشار البشير إلى مشاريع مشتركة في مجالات المياه والطاقة، لتأمين احتياجات المواطنين وتعزيز الجاهزية الصناعية.
وحول هذه المشاريع يقول عربش: “الشراكات مع شركات مثل سيمنز وكناوف ليست مجرد إعادة تأهيل للبنية التحتية، بل تشمل نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة وخلق صناعات مغذية محلية. هذه الخطوة سترسل إشارة قوية للمستثمرين الدوليين بأن البيئة الاستثمارية السورية بدأت تنضج، ما يقلل تصور المخاطر ويشجع على دخول استثمارات جديدة”.
دور الجالية السورية في تعزيز الاستثمار
أكد الرئيس الشرع على دور الجالية السورية في ألمانيا، واعتبرها جسراً للاستفادة من الخبرات التي اكتسبها السوريون في الجامعات والمؤسسات الألمانية لتعزيز النشاط الاستثماري.
وشدد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار على أن الجالية السورية تمثل رابطاً إنسانياً واقتصادياً دائماً بين سوريا وألمانيا، وليس مجرد رابط مؤقت، مؤكداً أهمية إشراكها في جهود التعافي وإعادة البناء.
وعلق عزت بغدادي، الديبلوماسي المستقل من فيينا، قائلاً لـ”963+”: “النظرة الأوروبية للجالية السورية تحولت من كونها ملفاً للجوء إلى أن تكون رافعة استراتيجية للشراكة. الأوروبيون يرون في هذه الجالية جسراً يربط بين المجتمعين، قادر على نقل المعرفة والخبرة ودعم الاستثمارات بشكل مباشر، إضافة إلى دوره في بناء الثقة تدريجياً خارج القنوات الرسمية”.
اقرا أيضاً: الشرع وميرتس يبحثان في برلين تعزيز العلاقات الثنائية – 963+
الملف الاقتصادي والفرص القطاعية
وأشار وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إلى أن رفع العقوبات العام الماضي شكل بوابة أمل للسوريين، وأن رؤية سوريا المستقبلية تركز على إعادة البناء والتنمية بعد الدمار الذي خلفه النظام السابق.
ويعلق عربش على هذا الجانب قائلاً: “إعادة فتح المجال الأوروبي أمام سوريا لا تعتمد على رغبة سياسية فقط، بل على قدرة البلاد على توفير بيئة استثمارية واضحة ومستقرة نسبياً. الاستثمار في قطاع الطاقة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل سريعة، ويبدأ بتأثير مباشر على جودة حياة المواطنين، وهو مدخل لإعادة تشكيل الاقتصاد السوري بشكل أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على الاستيراد”.
ويؤكد عربش أن القطاعات التي يمكن أن تحقق أسرع أثر اقتصادي ملموس تبدأ بقطاع الطاقة، يليها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ثم الخدمات اللوجستية والنقل، خصوصاً مشاريع أنابيب النفط والغاز العراقي والقطري المارة عبر سوريا، التي تمتد فوائدها لتشمل أوروبا الباحثة عن مصادر طاقة بديلة.
الملف الإقليمي واللاجئين
يوضح حامد محمود، الباحث في الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية، في تصريحات لـ”963+” أن زيارة الرئيس الشرع تأتي في وقت حساس، حيث يشكل ملف اللاجئين السوريين في أوروبا محوراً أساسياً، لافتاً إلى أن أكثر من مليون لاجئ سوري نزحوا خلال الحرب التي استمرت 14 عاماً.
ويقول محمود: “الجانب الألماني يولي اهتماماً كبيراً بهذا الملف بسبب الضغوط الداخلية وموجة معاداة اللاجئين، ويرى أن وجود استقرار نسبي في سوريا يتيح تهيئة الظروف لعودة اللاجئين بشكل طوعي”.
ويشير محمود إلى أن الملف الاقتصادي يمثل محوراً آخر للزيارة، من خلال دعم إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات الألمانية والأوروبية، إلى جانب تعزيز العلاقات الثنائية على المستويين السياسي والأمني، خاصة في ضوء إعادة افتتاح السفارة الألمانية في دمشق والقنصلية السورية في بون عام 2025.
كما يلفت محمود إلى التباين في مواقف اللاجئين السوريين داخل ألمانيا، لافتاً إلى ضغوط الكنيسة الكاثوليكية لتأجيل العودة، خصوصاً أن جزءاً كبيراً منهم يمثل مكوناً أساسياً في المجتمع السوري المسيحي الذي يعوّل عليه الجانب الألماني في تشكيل الصورة السورية بالخارج.
ويضيف: “من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة عودة طوعية لعدد من السوريين، لكن وصول الأمر إلى هجرة جماعية أو ترحيل رسمي يحتاج دراسة واسعة من الجانب الألماني”.
اقرأ أيضاً: الشرع: سوريا تسعى لتسهيل الاستثمار وتعزيز التعاون مع ألمانيا – 963+
الرؤية الأوروبية والتحول الديبلوماسي
يشير بغدادي إلى أن زيارة الشرع إلى ألمانيا تمثل اختباراً حقيقياً لطبيعة العلاقة المستقبلية بين سوريا وأوروبا، حيث لا تتحرك برلين والاتحاد الأوروبي بمنطق التطبيع الكامل أو القطيعة، بل ضمن ما وصفه بـ “الانخراط الحذر المشروط”.
ويقول: “الأوروبيون لا ينطلقون من الثقة المسبقة، بل من قابلية البيئة السورية لتكون قابلة للعمل والاستثمار. ألمانيا ترى سوريا شريكاً محتملاً في الاستقرار الإقليمي، وساحة لإعادة بناء اقتصادي تدريجي، ومختبراً للحوكمة الانتقالية”.
ويضيف بغدادي أن معايير الدعم الأوروبي تشمل سيادة القانون، الاستقرار القابل للتنبؤ، الحوكمة المحلية، والشفافية، مع إدراك المخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية، وسعي أوروبا لإدارتها عبر مشاريع صغيرة، واختبارات مستمرة، وتوسّع مشروط بالنتائج.
ويعلق بغدادي على أهمية الجالية السورية قائلاً: “تحول الجالية من ملف عبء إلى جسر استراتيجي يتيح الاستفادة من خبراتهم ومهاراتهم، ليس فقط في الاقتصاد، بل أيضاً في الديبلوماسية غير الرسمية، لبناء الثقة تدريجياً”.
ويختتم بغدادي بالقول: “ما يجري اليوم ليس مجرد عودة للشراكة الأورومتوسطية التقليدية، بل إعادة صياغتها بنموذج محلي بدل مركزي، شبكي بدل هرمي، وتدريجي بدل شامل، حيث يُبنى الاستقرار عبر تراكمات صغيرة قابلة للحياة، وليس بقرارات سياسية كبرى”.










