تشهد السياسة الأميركية تجاه سوريا في ظل الإدارة الانتقالية مراجعة مستمرة، حيث تقوم الولايات المتحدة بتقييم الوضع هناك واتخاذ قرارات تعكس استراتيجيتها في المنطقة. وفي هذا السياق، صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، بأن واشنطن تراقب تصرفات القادة السوريين عن كثب، مشيرةً إلى أن هناك قلقاً متزايداً بشأن الخطوات السياسية التي تتخذها الحكومة السورية.
وأكدت الإدارة الأميركية على أهمية تشكيل حكومة مدنية تمثل جميع الأطياف في سوريا، وهو ما يعكس رغبتها في دعم انتقال سياسي شامل يحقق الاستقرار في البلاد. وقد جدد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في يناير 2025 دعم بلاده لعملية انتقال سياسي سلمي نحو حكومة خاضعة للمساءلة، في إطار توجه الإدارة الأميركية لتعزيز الحلول السلمية للأزمات في المنطقة، بما في ذلك سوريا.
وتسعى واشنطن إلى تخفيف بعض العقوبات المفروضة على سوريا، بهدف تحسين الأوضاع الإنسانية وتعزيز الأمن في المدن السورية. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات تظل مشروطة بتحقيق تقدم في ملفات سياسية وأمنية محددة، وفقاً لما أكده الأمين العام لمجلس الشيوخ الأميركي، جيم ريش.
ويأتي ذلك في ظل نقاش داخلي مستمر حول مدى فاعلية العقوبات الأميركية في تحقيق الأهداف المرجوة دون التسبب في تفاقم الأزمة الإنسانية.
ورغم الحديث عن دعم الانتقال السياسي، فإن السياسة الأميركية تجاه سوريا لا تزال تعاني من التردد وعدم وضوح الرؤية. فبينما تؤكد واشنطن على دعم الحل السياسي، تستمر في فرض العقوبات والضغوط الاقتصادية على دمشق، وهو ما يعكس استمرار نهج الإدارات السابقة التي ركزت على الضغط دون تقديم حلول ملموسة. كما أن الولايات المتحدة تبدو أكثر انشغالاً بمصالحها الاستراتيجية، مثل مكافحة الإرهاب والحد من النفوذ الإيراني، بدلاً من إنهاء الصراع بشكل شامل.
وفي تطور ملحوظ، بدأت الإدارة الأميركية الجديدة في الاعتراف بالقيادة السورية الجديدة، حيث أبدت استعدادها لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحكومة السورية المؤقتة لمواجهة التهديدات الأمنية.
ويعد هذا التعاون مؤشراً على تحول في السياسة الأميركية تجاه الملف السوري، إلا أن تفاصيل هذا التعاون ما زالت غير واضحة. ورحبت الإدارة الأميركية ببعض الخطوات التي اتخذتها الحكومة المؤقتة في دمشق لضمان تقديم الخدمات الأساسية للسكان، مؤكدةً في الوقت ذاته على ضرورة ضمان عدم تدهور الأوضاع الإنسانية في سوريا.
لكن العقوبات المستمرة تعكس تناقضاً في السياسة الأميركية، حيث يستمر الضغط الاقتصادي دون وجود خطة شاملة لإنهاء الأزمة.
ويرى المحلل السياسي بشار علي الحاج علي، أن السياسات الأميركية كان لها تأثير كبير على الأوضاع السياسية والأمنية في سوريا، إلا أن هذا التأثير لم يكن دائماً إيجابياً. وأوضح أن الدعم الأميركي لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) ساهم في تحقيق بعض الاستقرار الأمني ومكافحة تنظيم “داعش”، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى تصعيد التوتر مع الحكومة السورية وتركيا، مما زاد من تعقيد المشهد السياسي.
وأضاف الحاج في تصريحات وردت بالعدد الرابع من صحيفة “963+” أن العقوبات الأميركية ساهمت في تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية، حيث أثرت سلباً على الشعب السوري وأعاقت جهود إعادة الإعمار. وأشار إلى أن هذه العقوبات، رغم أنها تهدف إلى الضغط على النظام، لم تؤدِ إلى تسوية سياسية شاملة، بل زادت من معاناة المدنيين.
وفيما يتعلق بتعامل الولايات المتحدة مع الملف السوري، شدد الحاج علي، على أن واشنطن لا تتعامل معه بموضوعية، بل تحركه وفق مصالحها الاستراتيجية الخاصة، مثل مكافحة الإرهاب، الحد من النفوذ الإيراني، وحماية أمن إسرائيل.
وأضاف أن العقوبات، رغم الحديث عن تخفيفها لأسباب إنسانية، لا تزال تُستخدم كأداة ضغط سياسي تخدم المصالح الأميركية الضيقة. واختتم الحاج علي تصريحه بالتأكيد على أن السياسات الأميركية تجاه سوريا لم تسهم في تحقيق حل دائم وشامل للأزمة، بل زادت من حالة الفوضى والتعقيد، ما جعل الاستقرار السياسي بعيد المنال.
ومن جانبه، أكد الباحث في الاقتصاد السياسي أحمد الزين أن الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية الجديدة لدعم الانتقال السياسي السلمي في سوريا لا تزال غير كافية، مشيراً إلى أن تحقيق تقدم فعلي في هذا المسار يتطلب تعاوناً وثيقاً مع روسيا، نظراً لدورها المحوري في المشهد السوري.
ولفت إلى أن اللقاء المرتقب بين الرئيسين الأميركي والروسي من شأنه أن يعزز هذه الجهود ويدفع بها إلى مستوى أكثر جدية. وفيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا.
وشدد الزين في تصريحات للعدد الرابع لصحيفة “963+” على ضرورة تخفيفها، معتبراً أن تحسين الأوضاع الاقتصادية سيسهم في تسهيل عودة النازحين، لكنه أوضح أن نجاح هذه الخطوة يتطلب فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، لضمان عدم استغلال تخفيف العقوبات لأغراض سياسية.
وعن مستقبل العلاقات الأميركية-السورية، أشار الزين إلى أن الإدارة الأميركية الحالية بدأت في بناء قنوات تواصل جديدة مع الحكومة السورية، بعد قطيعة طويلة مع الإدارة السابقة، متوقعاً أن تشهد الأشهر المقبلة مزيداً من التعاون بين الجانبين، لا سيما في تبادل المعلومات الأمنية. كما أكد أن استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها يعتمد إلى حد كبير على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في سوريا.
نشرت هذه المادة في العدد الرابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 28 آذار/مارس 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










