سلافة شحادة
بينما تقف مئات الأقدام على الأرصفة أمام أفرع الهجرة والجوازات في العاصمة دمشق، تلوح في الأفق ملامح أزمة متجذرة ليست وليدة اليوم. الازدحام الكبير، الطوابير الطويلة، المعاملات المعلقة، والتكاليف الباهظة… جميعها تفاصيل يومية ترسم صورة قاتمة عن تجربة المواطن السوري في رحلة البحث عن جواز سفر. في بلد لم يعد جواز السفر فيه مجرد وثيقة رسمية، بل تحوّل إلى طوق نجاة يُقاتل الناس من أجله وسط ظروف معيشية قاهرة وأزمات متلاحقة.
ففي فرع الهجرة والجوازات بدمشق، وتحديداً في منطقة البرامكة، لا يكاد يمر يوم دون أن يشهد المبنى والمحيط به ازدحاماً غير مسبوق. أعداد ضخمة من المواطنين يتزاحمون أمام الأبواب منذ ساعات الفجر الأولى على أمل الحصول على دور، أو على الأقل دخول صالة الانتظار. وبين من يحمل أوراقه بيدٍ مرتجفة، ومن يسأل عن تفاصيل مبهَمة حول المنصة الإلكترونية، وبين من يراجع موظفاً لتصحيح خطأ في البيانات، تُروى يومياً عشرات القصص التي تبدأ بطموح ولا تنتهي بالضرورة بتحقيق الحلم.
تتعدد دوافع السوريين لاستخراج الجواز، من هارب من البطالة والرواتب المتدنية، إلى راغب بالهجرة أو العمل، أو حتى من يسعى إلى لمّ شمل مع عائلته المشتتة خارج الحدود. كرم، شاب في بداية الثلاثينيات من عمره، وجد في الهجرة فرصة أخيرة لإنقاذ كرامته مما تبقى من عمره، كما يقول.
جلس كرم على حافة الرصيف أمام أحد المكاتب القريبة من الفرع ينتظر دوره للتقديم على المنصة الإلكترونية، وقال في العدد الثامن من صحيفة “963”: “أقف هنا منذ أكثر من خمس ساعات، ليس لأنني أحب الازدحام، بل لأنني لا أملك خياراً آخر. كل ما أريده هو فرصة عمل في أي مكان يحترم الإنسان ويمنحه فرصة للحياة. هنا، نحن نُستهلك دون مقابل.”
اقرأ أيضاً: 16 ألف جواز سفر أصدرتها إدارة الهجرة في سوريا – 963+
منصة عاجزة وطرق بديلة محفوفة بالاستغلال
لكنّ المعاناة لا تقف عند حدود الفرع ولا في مشهد الطوابير وحده، بل تمتد إلى البنية التقنية التي من المفترض أن تسهّل هذه المعاملات. فـ”المنصة الإلكترونية” التي أعلنت وزارة الداخلية السورية عن إطلاقها لحجز المواعيد، أصبحت عبئاً إضافياً بدل أن تكون حلاً.
المواطن فادي، الذي كان بداخل إحدى المكتبات القريبة يحاول رفع بياناته على المنصة، وصف التجربة بأنها “مرهقة وصعبة”، مضيفاً في العدد ذاته للصحيفة: “المنصة بطيئة جداً، وغالباً ما تتوقف فجأة، ناهيك عن صعوبة إدخال المعلومات، وكثرة الأخطاء، والتحميل البطيء. لا أحد يعرف الخطوة التالية، وكلنا نتعلم من أخطاء بعضنا.”
وفي الوقت الذي يُثني فيه بعض المراجعين على تعامل الموظفين داخل الأفرع، حيث أكد فادي أن هناك تعاوناً كبيراً ووضوحاً في الإجراءات داخل المبنى، يُجمع كثيرون أن العوائق التقنية والروتين الإداري، بالإضافة إلى الاكتظاظ البشري، تظل من أبرز أسباب التأخير والمعاناة.
إسماعيل، أحد المراجعين الذين كانوا يعملون على استخراج “صحة بيان جواز”، قال لـ”963+” إن “المعاملة من قبل الموظفين جيدة، لكن التدقيق في البيانات والازدحام الكبير يجعل الأمر يستغرق ساعات طويلة، وغالباً ما نضطر للعودة في اليوم التالي”.
هذا الازدحام اليومي بات فرصة للبعض لاستثمار معاناة الناس. قرب الأفرع، تنتشر مكتبات صغيرة ومكاتب خدمات توفّر ما لا تستطيع الدولة توفيره بمرونة، بدءاً من رفع البيانات والتصوير، وصولاً إلى “التنسيق” مع بعض الجهات للحصول على موعد قريب على المنصة، في مقابل مبالغ مالية غير بسيطة.
ويتقاطع هذا مع وجود سماسرة يعرضون على المواطنين “تسريع العملية” مقابل أرقام كبيرة، فيما يخضع المواطن لضغوط نفسية تجعله أقرب إلى الاستسلام أو القبول بأي حل غير قانوني.
اقرأ أيضاً: منظمة الهجرة تبحث مع الأردن إجراءات عودة السوريين – 963+
موسم الحج يفاقم الازدحام… واستجابات ميدانية محدودة
وفي مشهد آخر شمال البلاد، وتحديداً في محافظة حلب، اتخذ الازدحام أبعاداً إضافية مع حلول موسم الحج، حيث تحوّلت أفرع الجوازات هناك إلى ساحة يومية مكتظة بالحجاج والمراجعين من مختلف المحافظات.
العميد فؤاد سويد، رئيس فرع الهجرة والجوازات في محافظة حلب، قال في تصريحات خاصة للعدد الثامن من صحيفة “963+” إن “الفرع يستقبل أعداداً مضاعفة هذه الأيام، خصوصاً من محافظتي إدلب والرقة، لعدم وجود أفرع فيهما، بالتزامن مع العمل على استخراج الجوازات للمواطنين وللمغتربين، إضافة إلى ضغط موسم العمرة الذي سبق الحج، وتوقعات بزيادة جديدة خلال موسم المغتربين بعد انتهاء المدارس”.
وأكد سويد أن الفرع يعمل بكامل طاقته منذ الساعة الثامنة صباحاً وحتى الخامسة مساءً، مع استمرار الطباعة ليلاً حتى منتصف الليل، بهدف تسليم الجوازات خلال 24 ساعة خاصة للحجاج. وأوضح أن عدد الحجاج داخل سوريا هذا العام بلغ حوالي 18 ألف شخص، منهم 9 آلاف من حلب وحدها، في حين بلغ عدد الجوازات الصادرة من فرع حلب منذ إعادة افتتاحه بعد سقوط النظام حوالي 30 ألف جواز.
وعن التكاليف، قال سويد إن الجواز العادي للمغترب يكلف 300 دولار، والفوري 800 دولار، بينما الفوري للمقيم في سوريا يبلغ حوالي 200 دولار. وأضاف أن وزارة الداخلية خفّضت رسوم الحج إلى النصف، بحيث يدفع الحاج المقيم 100 دولار فقط، والمغترب 400 دولار للجواز الفوري. ولتسهيل الدفع، تم افتتاح كوة خاصة للمصرف التجاري داخل المبنى.
اقرأ أيضاً: إدارة الهجرة والجوازات السورية تعلن البدء بإصدار الجوازات – 963+
من جانبه، قال إبراهيم عبد الرزاق، رئيس إحدى قوافل الحج، إن “الحجاج المقبولين لا يحتاجون إلى حجز مسبق عبر المنصة، بل يتم استقبالهم مباشرة، وتُمنح لهم نافذة خاصة”، مشيراً لـ”963+” إلى “سهولة في الإجراءات القانونية وسرعة في المعالجة”. أما الشاب محمد الزيات، فعبّر عن تفاؤله بالتطورات قائلاً: “هناك تغيير واضح، والاحترام في التعامل ملحوظ، رغم الازدحام. نشعر أن الأمور بدأت تتحسن تدريجياً”.
ومع كل هذه المشاهد، تتكرس صورة أزمة مركبة تعكس التحديات التي يواجهها المواطن السوري اليوم، ليس فقط في سعيه وراء وثيقة سفر، بل في رحلته اليومية نحو إثبات أحقيته بالحياة. وفيما تبذل الجهات الرسمية جهوداً لتوسيع الطاقة التشغيلية للأفرع وتحسين الخدمات، تبقى الحاجة ملحّة لإعادة هيكلة كاملة لهذا القطاع، بما يشمل تطوير المنصة، وتوزيع الضغط على المحافظات، وقطع الطريق على السماسرة، وتوفير بيئة رقمية آمنة وسريعة للمراجعين.
جواز السفر السوري اليوم لم يعد مجرد ورقة صادرة عن وزارة الداخلية، بل صار رمزاً لصراع الإنسان السوري بين الحصار والحرية، وبين الرغبة في النجاة والإرادة في البقاء. وبين طوابير الانتظار وآمال الخلاص، يقف السوري، حاملاً ملفه وأحلامه، في انتظار دوره نحو باب مفتوح… أو مغلق.










