يشكّل الحديث عن استرداد بشار الأسد لمحاكمته لحظة تقاطع بين مطلبين متباينين في الجوهر؛ الأول أخلاقي–حقوقي، يسعى إلى تحقيق العدالة للضحايا وإعادة الاعتبار للذات الوطنية المنتهَكة، والثاني سياسي–وظيفي، ينظر إلى المحاسبة كأداة لإعادة ضبط التوازنات، لا كشرط تأسيسي لقيام الدولة.
من هذا التقاطع المربك، تنبثق الحاجة إلى تأطير فكرة المحاكمة لا كفصل قانوني صرف، بل كمفصل مصيري في مشروع استرداد الدولة من قبضة العنف المؤسسي والإبادة الرمزية.
ينتمي بشار الأسد إلى طيف الطغاة الذين لا يمكن فهمهم خارج بنية السلطة التي أنتجتهم. ووفقاً لتحليل لوي ألتوسير حول “أجهزة الدولة الأيديولوجية”، فإن السلطة لا تفرض نفسها بالقوة وحدها، بل عبر مؤسسات التعليم، والدين، والإعلام، والقانون، والتي تنتج الطاعة بوصفها نمطاً ثقافياً لا واعياً.
انطلاقاً من ذلك، ليست محاكمة بشار الأسد حدثاً قضائياً يتعلق بشخص ارتكب جرائم فحسب، بل لحظة مواجهة مع بنية سلطوية عميقة حكمت سوريا منذ نصف قرن، جعلت من القمع نمط حوكمة، ومن الخوف لغة رسمية بين المواطن والدولة، ومن الدولة نفسها أداةً لتعطيل المجال العام لا لحمايته.
يتقاطع نموذج الحكم الأسدي مع ما وصفه أكيل مبيمبي بـ”السياسة النيكرولوجية” أو “سيادة الموت”، وهي قدرة الدولة على إدارة الحياة والموت معاً، ليس عبر القانون، بل عبر التعذيب، التهجير، والإخفاء القسري، وتوزيع الحق في الوجود وفق الولاء لا وفق المواطنة.
في هذا الإطار، لا يُعد الإفلات من العقاب مجرّد ثغرة قانونية، بل تجسيداً لانهيار مفهوم الدولة الحديثة ذات السيادة القانونية، وتحولها إلى ما يمكن تسميته بـ”جهاز موت قانوني”، تتعايش فيه الجريمة مع منظومة الحكم بوصفها وظيفة لا استثناء.
وبالتالي، تصبح المحاسبة هنا ليست فقط مطلباً أخلاقياً أو تعويضياً، بل فعلاً سياسياً يؤسس لاستعادة معنى الدولة، وشرعية العقد الاجتماعي الذي جرى تمزيقه تحت شعارات “السيادة” و”الممانعة”.
يُحيل التأجيل المزمن لمحاكمة الأسد إلى إشكالية أعمق تتعلق بما يمكن تسميته بـ”الزمن السياسي المعطوب”، وهو المفهوم الذي طوّره والتر بنيامين في قراءته للعدالة كحدث استثنائي يقطع استمرارية التاريخ الزائف.
ففي الحالة السورية، لا تُختزل الجريمة في الماضي، بل تتحوّل إلى حاضر دائم. وكل تأجيل للعدالة، سواء لأسباب سياسية أو بذرائع الواقعية، يعيد إنتاج دورة التكرار القهري التي تحدث عنها *سيغموند فرويد في تحليله للصدمة الجمعية. ومع غياب المحاسبة، لا تُنسى الجريمة، بل تُبرَّر وتُعاد إنتاجها داخل المخيال السياسي الجمعي.
تذهب النظريات الحديثة في العدالة الانتقالية، كما عند مارثا مينو، إلى أن العدالة ليست أداة ردع فقط، بل وسيلة لتأهيل الجروح الجمعية من خلال الاعتراف، والمساءلة، والتمثيل الرمزي للضحايا. لكن ما تحتاجه سوريا بعد الكارثة لا يكفيه نموذج “العدالة الانتقالية” التقليدي، بل يستدعي تصوراً أعمق لما يمكن تسميته بـ”العدالة التأسيسية”.
لا نقصد بها مجرد تطوير للعدالة الانتقالية، بل نقلة مفهومية تُعلي من شأن المحاسبة بوصفها شَرط نشوء الدولة من جديد، لا فقط كإصلاح لاحق لانهيارها. إنها العدالة التي لا تأتي بعد الدولة، بل تسبقها، وتؤسس لعقدها الاجتماعي.
فالعدالة في الحالة السورية، ليست خطوة في سياق إصلاحي، بل هي الشرط الأول لتكوين كيان سياسي جديد، يعيد تعريف السيادة بوصفها حماية للحياة لا احتكاراً للعنف. في هذا السياق، فإن محاكمة الأسد تُصبح لحظة “ولادة ثانية” لسوريا، لا كجغرافيا مُمزقة بالمساومات، بل كوطن قائم على ذاكرة عادلة لا على نسيان انتقائي.
يرتبط الصمت الدولي والتواطؤ الضمني مع بقاء الأسد بعدم استعداد المنظومة الدولية لاعتبار العدالة بنداً أساسياً في ملفات التفاوض.
فالواقعية السياسية، كما تُمارس، لا تُعنى ببناء الدول، بل بإدارة المصالح. وهنا، تُوظَّف العدالة كمجرد “كرت تفاوض”، لا كحق تأسيسي. لقد سأل جاك دريدا “هل يمكن للعدالة أن تكون مؤجلة دون أن تُختزَل؟”. وتُجيب التجربة السورية: إن كل تأجيل للعدالة هو تأبيد للجريمة، وكل مساومة على المحاسبة هي تكريس لبنية القتل كأداة سيادية.
إن استرداد بشار الأسد لمحاكمته لا يجب أن يُفهم كفصل قضائي يخص القانون الجنائي فحسب، بل كفصل تأسيسي في إعادة بناء الدولة السورية.
ففي مجتمع منهك، مشظى الذاكرة، تصبح العدالة هي الفعل الوحيد القادر على تحرير الحاضر من رهائن الماضي، وعلى إعادة سرد الحكاية من زاوية الضحية لا من فم الجلاد.
العدالة ليست صدى لحدث مضى، بل شرط إمكان لوطن آتٍ، وإن لم تكن، فلن يكون.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 25 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










