باريس
كشفت مصادر استخباراتية فرنسية، أن هروب رفعت الأسد إلى سوريا عام 2021 لم يكن مجرد مغادرة عادية، بل تمت بموافقة الأجهزة الفرنسية العليا.
وقالت المصادر، إن مغادرة رفعت إلى سوريا تمت بموافقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطوة أثارت جدلاً حول دور الدولة الفرنسية في تسهيل رحيل شخص محكوم قضائياً.
وأوضحت المصادر أن رفعت الأسد، الذي وصل إلى باريس عام 1984 بعد محاولة انقلاب فاشلة في دمشق، لم يكن مجرد لاجئ سياسي منبوذ، بل أصبح شريكاً استخباراتياً مهماً لصالح الاستخبارات الخارجية الفرنسية “دي جي إس إي” (DGSE).
وقدم رفعت معلومات دقيقة عن بنية النظام المخلوع، وشبكات النفوذ العسكري والأمني، ومواقع القوة داخل “الحرس القديم”، وهو ما مكن فرنسا من فهم أفضل لتوازنات القوى داخل سوريا، وفق ما كشفه تحقيق نشرته قناة “الجزيرة”.
كما لعب دور الوسيط الموثوق في صفقات تسليح فرنسية مع دول عربية، واستثمر علاقاته السياسية والعسكرية لضمان نفوذ شركات تصنيع السلاح الفرنسية في المنطقة، فضلاً عن مساهمته في تفكيك شيفرات الإرهاب والتواصل خلف الكواليس لتسوية ملفات أمنية معقدة خلال الثمانينيات.
وجاء حكم القضاء الفرنسي ضد رفعت الأسد بالسجن أربع سنوات ومصادرة أصول عقارية بقيمة 90 مليون يورو، بتهم شملت تبييض الأموال في إطار عصابة منظمة، واختلاس أموال عامة سورية، والتهرب الضريبي، ووصف القضاء هذه الأموال بـ”المكاسب غير المشروعة”.
ومع ذلك، قالت المصادر إن هذا الحكم اصطدم بواقع استخباراتي أعقد، إذ تم ترتيب مغادرته من فرنسا بطريقة رسمية، شملت سيارات فارهة ومرافقة عناصر من وزارة الداخلية الفرنسية حتى صعوده الطائرة، في إشارة واضحة إلى أن “الدولة العميقة” قررت حمايته من مهانة السجن في سن الثامنة والثمانين.
وأكد مارك إيشنغر، وهو ضابط استخبارات فرنسي سابق، أن تسهيل خروج رفعت الأسد كان بمثابة الفصل الأخير في “عقد غير مكتوب” بينه وبين الدولة الفرنسية، لتظل فرنسا محافظة على استقلال قضائها ظاهرياً، وتجنب في الوقت نفسه أي تداعيات سياسية أو أمنية كانت قد تنجم عن سجنه، خصوصاً فتحه لصناديق أسرار كان يحتفظ بها طيلة عقود.
ويأتي هذا في ظل تأكيدات من مصادر مقربة لرفعت الأسد، ومنها حسين أسعد السكرتير الشخصي له، أن رحلته لم تكن “هروباً”، بل كانت “عودة منظمة إلى سوريا بعد رفع الرقابة القضائية عنه في 2018”.
وغادر رفعت الأسد باريس تاركاً وراءه إمبراطورية عقارية تمت مصادرتها جزئياً، وحكما قضائياً لم يُنفذ، ليغادر الحياة لاحقاً في الإمارات عن عمر 88 عاماً بعد صراع طويل مع المرض، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز” عن مصدرين مطلعين على وفاته.
وعُرف رفعت الأسد بلقب “جزار حماة”، المتهم بقيادة مجزرة المدينة عام 1982 التي راح ضحيتها نحو 40 ألف شخص، وقد ساعد شقيقه حافظ الأسد في الوصول إلى السلطة عام 1970 وتأسيس حكمه الحديدي.
وخلال سنوات المنفى التي قضاها في فرنسا، ظل يطمح إلى الرئاسة، قبل أن يعود إلى سوريا عام 2021، ثم يغادر مرة أخرى نهاية 2024 بعد الإطاحة بابن أخيه، بشار الأسد.










